--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتحول الهزل إلى مشروع هدم: في نقد خطاب التقسيم والسخرية السوداء في سورية، الصورة اعلاه لمرشح جديد لرئاسة سورية

Salah Kirata • ١‏/٦‏/٢٠٢٦

41188.jpg

حين يتحول الهزل إلى مشروع هدم: في نقد خطاب التقسيم والسخرية السوداء في سورية، الصورة اعلاه لمرشح جديد لرئاسة سورية 

في الأزمنة الطبيعية، تكون النكتة وسيلة للتنفيس، وتكون السخرية أداة لكشف التناقضات والأخطاء. أما في البلدان التي خرجت من الحروب مثقلة بالجراح والدماء والانقسامات، فإن للكلمات وزناً مختلفاً، وللسخرية حدوداً ينبغي الانتباه إليها، لأن ما يبدو مزحة عابرة قد يتحول، في الوعي الجمعي المنهك، إلى تطبيع مع أفكار كان ينبغي أن تبقى مرفوضة أخلاقياً ووطنياً.

النص المتداول تحت عنوان "برنامج انتخابي لتحقيق السلم الأهلي" لا يطرح حلولاً سياسية، ولا يقدم رؤية إصلاحية، بل يقوم على فكرة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة: عزل السوريين عن بعضهم البعض وفق الانتماء الطائفي أو القومي أو المناطقي، وتحويل سورية إلى جزر بشرية متناحرة تفصل بينها الحدود والأسوار والتأشيرات.

قد يكون الكاتب ساخراً، وقد يكون هدفه التهكم من الواقع السوري، لكن المشكلة ليست في النية وحدها، بل في الفكرة التي يجري تعميمها وتدويرها وتطبيعها.

أولاً: فكرة نقل العلويين إلى جزيرة أرواد

يقوم هذا الطرح على افتراض أن جماعة بشرية كاملة يمكن التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة يجب اقتلاعها من بيئتها الطبيعية وتجميعها في مكان معزول.

هذه ليست فكرة سياسية، بل هي نسخة مصغرة من كل مشاريع التهجير الجماعي التي عرفها التاريخ الحديث.

فالعلويون ليسوا سكان الساحل وحدهم، كما أن الساحل ليس ملكاً لطائفة بعينها. في اللاذقية وطرطوس عاش المسلم والمسيحي والعلوي والإسماعيلي والسني عبر قرون طويلة. وتحويل الانتماء الطائفي إلى معيار جغرافي يعني نسف مفهوم المواطنة من أساسه.

والأخطر من ذلك أن المنطق نفسه يمكن تطبيقه على الجميع لاحقاً: إذا جاز جمع العلويين في جزيرة، فلماذا لا يجمع غيرهم في كانتونات أخرى؟ وهكذا تتحول الدولة إلى مشروع فرز سكاني دائم.

ثانياً: التنازل عن أرواد وتحويلها إلى "محمية"

الفكرة هنا لا تتعلق بأرواد بقدر ما تتعلق بمفهوم الوطن نفسه.

فالوطن ليس فندقاً يمكن التنازل عن غرفه عندما تختلف النزلاء، ولا عقاراً قابلاً للتجزئة وفق المزاج السياسي.

جزيرة أرواد ليست ملكاً لطائفة أو حزب أو سلطة، بل جزء من السيادة السورية ومن الذاكرة التاريخية للسوريين جميعاً.

إن تحويل أي جزء من البلاد إلى كيان مغلق على أساس طائفي هو إعلان ضمني بفشل فكرة الدولة الوطنية.

ثالثاً: تنصيب "ملك" على الجزيرة

يستخدم النص هنا السخرية السياسية من خلال استحضار أسماء مرتبطة بالنظام السوري.

لكن خلف السخرية توجد فكرة أخطر: اختزال جماعات بشرية كاملة في علاقتها بحاكم أو عائلة أو سلطة.

لقد دفعت سورية ثمناً باهظاً بسبب تحويل السياسة إلى ولاءات شخصية، ولذلك فإن أي مشروع مستقبلي يجب أن يؤسس لعلاقة المواطن بالدولة والقانون، لا بالحاكم ولا بالعائلة ولا بالسلالة.

رابعاً: فرض التأشيرات على السوريين داخل وطنهم

من أكثر الأفكار عبثية أن يتحول المواطن إلى أجنبي داخل بلاده.

الحروب تبني الحواجز، أما الدول فتبني الجسور.

وعندما يصبح الانتقال بين أبناء البلد الواحد خاضعاً للتأشيرات والكفلاء والحواجز، فإن الدولة تكون قد ماتت فعلياً حتى لو بقي علمها مرفوعاً فوق المباني الرسمية.

خامساً: تحويل عين العرب إلى دولة مستقلة

هنا يعاد إنتاج المشكلة نفسها ولكن بصيغة قومية.

فالحقوق الثقافية والسياسية للأكراد قضية حقيقية تستحق المعالجة العادلة ضمن إطار المواطنة والدستور والقانون.

لكن تحويل القضية إلى مشروع انفصال أو عزل قومي لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى مستوى جديد من الصراع.

فالتجارب التاريخية تثبت أن الدول لا تستقر عندما تتحول الهويات الفرعية إلى حدود سياسية صلبة، بل عندما تجد هذه الهويات مكانها الطبيعي داخل دولة عادلة.

سادساً: بناء الأسوار والحدود

كلما عجزت المجتمعات عن بناء الثقة، لجأت إلى بناء الجدران.

لكن الجدران لا تصنع سلاماً.

لقد بنت البشرية آلاف الكيلومترات من الأسوار عبر التاريخ، ولم تمنع الحروب ولا الكراهية.

السلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن أن حقوقه محفوظة، لا عندما يُحاصر خلف الأسلاك.

سابعاً: التنازل عن السويداء وتحويلها إلى دولة مستقلة

السويداء ليست ملكاً للدروز وحدهم، كما أن الدروز ليسوا ضيوفاً في سورية.

هم جزء أصيل من تاريخ البلاد ومن نسيجها الوطني، كما كان أبناء جبل العرب في مقدمة المقاومين للاستعمار الفرنسي وفي طليعة الحركة الوطنية السورية.

والتعامل مع محافظة كاملة باعتبارها قابلة للفصل لأن أغلبية سكانها تنتمي إلى طائفة معينة هو منطق يناقض فكرة الدولة الحديثة.

ثامناً: تبادل السكان على أساس الهوية

هذه الفكرة هي الأخطر على الإطلاق.

فكل مشاريع التبادل السكاني في التاريخ بدأت تحت عناوين براقة: الأمن، الاستقرار، منع الصدام، حماية الأقليات.

لكن نتائجها كانت دائماً التهجير والاقتلاع والكراهية الممتدة لأجيال.

إن الإنسان لا يُختزل بطائفته، ولا بقوميته، ولا بمنطقته. وعندما يتحول الانتماء إلى بطاقة تصنيف نهائية، تبدأ رحلة تفكيك المجتمع.

ما الذي يفعله هذا النوع من الخطاب؟

قد يعتقد البعض أن الأمر مجرد دعابة سياسية سوداء.

لكن المشكلة أن هذا النوع من السخرية يرسخ في اللاوعي الجمعي فكرة أن السوريين عاجزون عن العيش معاً، وأن الحل الوحيد هو الفصل والعزل والتقسيم.

وهنا تتحول النكتة من أداة نقد إلى أداة تدمير.

فالدول لا تنهار فقط بالدبابات والجيوش، بل تنهار أيضاً عندما يفقد أبناؤها الإيمان بإمكانية العيش المشترك.

كيف يجب أن يكون الخطاب السوري اليوم؟

بعد كل ما جرى، لا تحتاج سورية إلى مزيد من التصنيفات، بل إلى إعادة اكتشاف المعنى البسيط للمواطنة.

لا نحتاج إلى خرائط جديدة، بل إلى عقد اجتماعي جديد.

لا نحتاج إلى أسوار، بل إلى ثقة.

ولا نحتاج إلى البحث عن طرق لعزل السوريين عن بعضهم، بل عن طرق تعيدهم إلى بعضهم.

إن السوري الذي يختلف معك في الطائفة أو القومية أو المنطقة ليس مشكلة ينبغي التخلص منها، بل شريك في وطن لا يمكن لأحد أن يبنيه وحده.

لقد جرب السوريون لعقود طويلة لغة التخوين والإقصاء والتفوق والاحتكار، وكانت النتيجة كارثة وطنية لا تزال آثارها حاضرة في كل بيت.

أما الطريق إلى المستقبل فلا يبدأ من سؤال: كيف نفصل السوريين عن بعضهم؟

بل من سؤال واحد أكثر حكمة وضرورة:

كيف نبني دولة تجعل السوريين جميعاً قادرين على العيش معاً رغم اختلافاتهم؟

ذلك هو التحدي الحقيقي، وذلك وحده هو المعنى الممكن للسلم الأهلي.