--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتحول الشعب إلى جمهور قراءة في الحالة السورية التي انتقلت من نظام شمولي إلى نظام أكثر شمولية

Salah Kirata • ١٦‏/٥‏/٢٠٢٦

32142.png

حين يتحول الشعب إلى جمهور قراءة في الحالة السورية التي انتقلت من نظام شمولي إلى نظام أكثر شمولية؟ 

ليست مأساة الأوطان في فقرها، ولا في قلة مواردها، ولا حتى في الهزائم التي تتعرض لها. فالأمم قد تُهزم ثم تنهض، وقد تجوع ثم تبني، وقد تنكسر ثم تعود أكثر صلابة. المأساة الحقيقية تبدأ يوم يتراجع العقل إلى الخلف، ويصعد التصفيق إلى الواجهة. يوم يصبح الإنسان مجرد صدى لما يسمعه، لا صوتًا لما يفكر فيه.

عندها لا يعود المجتمع شعبًا بالمعنى العميق للكلمة، بل يتحول إلى جمهور. والجمهور بطبيعته لا يبحث عن الحقيقة، بل عن المنبر الأعلى صوتًا. يصفق اليوم بحماسة، ثم يلعن غدًا بالقوة نفسها، لكنه في الحالتين لا يمارس فعل التفكير، ولا يطرح سؤالًا، ولا يراجع قناعة. إنه يتحرك بالعاطفة الجماعية كما تتحرك أمواج البحر بالريح؛ بلا اتجاه ثابت، وبلا إرادة مستقلة.

الشعب الحقيقي لا يُقاس بعدد السكان، بل بعدد العقول القادرة على الشك، والتحليل، والمساءلة. فحين يفقد الإنسان قدرته على التفكير الحر، يصبح مستعدًا لأن يؤمن بأي شيء، وأن ينقلب على أي شيء، وأن يدافع عن النقيضين في الوقت ذاته دون أن يشعر بالتناقض. وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ لأن الاستبداد لا يعيش فقط بقوة السلطة، بل أيضًا بضعف الوعي.

في التجربة السورية، خلال العقود الماضية، جرى استنزاف فكرة المواطن تدريجيًا، واستبدالها بفكرة التابع. لم يكن مطلوبًا من الإنسان أن يفكر، بل أن يردد. لم تكن المدرسة تصنع عقلًا نقديًا، بل ذاكرة تحفظ الشعارات. ولم يكن الإعلام يفتح باب الأسئلة، بل يغلقه تحت سيل من اليقينيات المطلقة. وهكذا نشأت أجيال تعرف كيف تهتف، لكنها لا تعرف كيف تناقش؛ تحفظ الخطاب، لكنها تخاف من الفكرة.

ومع مرور الزمن، أصبح الانتماء يُقاس بدرجة التصفيق لا بدرجة الفهم. فكلما ارتفع الصوت، اعتُبر الولاء أصدق. أما التفكير، فكان يُنظر إليه بريبة، وكأنه شكل من أشكال التمرد أو الخيانة. وفي المجتمعات التي يُخاف فيها من السؤال، تتحول الحقيقة إلى امتياز سياسي، لا إلى حق إنساني.

لكن المأساة لم تتوقف عند حدود العهد السابق. فحتى بعد الانفجار السوري الكبير، لم يخرج الجميع من عقلية الجمهور. تبدلت المنصات، وتغيرت الشعارات، وتغيرت الجهات التي تُصفَّق لها أو تُلعن، لكن البنية النفسية بقيت في كثير من الأحيان كما هي: انفعال سريع، أحكام قطعية، اصطفافات حادة، وعجز عن رؤية التعقيد.

كثيرون انتقلوا من عبادة صورة إلى عبادة صورة أخرى، ومن تقديس خطاب إلى تقديس خطاب مضاد، دون المرور بمحطة التفكير الحر. وكأن المشكلة لم تكن يومًا في الأشخاص فقط، بل في الطريقة التي تشكل بها الوعي نفسه. فالإنسان الذي لم يتعلم كيف يفكر، سيبحث دائمًا عمّن يفكر بدلًا عنه، سواء كان حاكمًا، أو معارضًا، أو شيخًا، أو إعلاميًا، أو حتى جمهورًا على وسائل التواصل.

إن بناء الأوطان لا يبدأ بإسقاط نظام أو إقامة آخر، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان. الإنسان القادر على أن يقول: لماذا؟ وكيف؟ وهل هذا صحيح؟ الإنسان الذي لا يكتفي بالعاطفة، بل يطلب الدليل. والذي لا يخاف من مراجعة أفكاره، لأن الحقيقة بالنسبة له أكبر من الانتماء الأعمى.

سوريا لم تكن تفتقر إلى العاطفة الوطنية، بل كانت تفتقر إلى المساحة التي تسمح بولادة العقل الحر. ولهذا ظل المجتمع، في كثير من لحظاته، يتأرجح بين الهتاف والغضب، بين التقديس واللعن، دون أن يمتلك الأدوات الكافية لتحويل الألم إلى وعي، والوعي إلى مشروع دولة.

فالأوطان لا يحميها جمهور غاضب أو جمهور مصفق، بل يحميها مواطن يفكر. مواطن يعرف أن الحرية ليست أن ترفع صوتك فقط، بل أن تمتلك عقلك أيضًا.