
حين يتحول الوطن إلى فاتورة… هل نحتاج إلى إعادة تدوير الإنسان قبل الحجر؟
لم يعد الغلاء في هذا البلد مجرد رقمٍ يتغير على شاشة أو نشرة أخبار اقتصادية عابرة. لم يعد ارتفاع الأسعار حدثًا اقتصاديًا يمكن تفسيره بمؤشرات العرض والطلب، ولا حتى أزمة يمكن تهدئتها بخطابٍ رسمي أو وعودٍ مؤجلة. ما يحدث اليوم أعمق من ذلك بكثير؛ إنه إعادة تشكيل قاسية لحياة الناس، حتى باتت تفاصيل العيش اليومية تبدو كأنها امتحان إذلالٍ مفتوح بلا نهاية.
حين تصبح الكهرباء رفاهية، لا خدمة عامة، وحين تتحول الفاتورة إلى سكينٍ بارد يقطع ما تبقى من الدخل قبل أن يصل إلى نهاية الشهر، فنحن لا نتحدث عن أزمة طاقة فقط، بل عن خلل في معنى الدولة نفسها. الدولة التي يفترض أن تُخفف العبء، أصبحت هي العبء ذاته. والمفارقة الأكثر قسوة أن المواطن لم يعد يسأل: كيف أعيش؟ بل كيف أستمر دون أن أنكسر تمامًا؟
ثم يأتي الحديث عن خصخصة المشافي الحكومية، وكأن الصحة سلعة قابلة للتسعير حسب المزاج الاقتصادي. وكأن الإنسان يمكن أن يُؤجل مرضه حتى يدفع الثمن المناسب للدخول إلى غرفة العلاج. هنا لا يعود الفقر مجرد حالة اجتماعية، بل يتحول إلى قرارٍ غير معلن بالتخلي عن حق الحياة لمن لا يملك ثمنها.
في ظل هذا المشهد، يصبح السؤال أكثر حدة: ماذا تبقى من “الوطن” إذا انسحبت منه أبسط ضمانات البقاء؟ إذا صار التعليم عبئًا، والصحة تجارة، والطاقة رفاهية، والعيش نفسه مشروع تمويل شخصي؟
حينها فقط، يبدو التعبير قاسيًا لكنه ليس بعيدًا عن الواقع: كأن الوطن نفسه تعرض لعملية تشوه شاملة، فقد فيها توازنه بين الفكرة والتطبيق، بين الشعار والنتيجة، بين ما يُقال وما يُعاش. وعندما يفقد الوطن هذا التوازن، لا يعود مجرد نظام يعاني من أزمة، بل كيان يحتاج إلى مراجعة عميقة، لا في سياساته فقط، بل في منظومة القيم التي تحكمه.
لكن الخطر الأكبر ليس في الغلاء وحده، بل في ما يصنعه داخل الإنسان. حين يعتاد الناس على الألم، ويتحول الاستنزاف إلى يوميات طبيعية، يبدأ الانهيار الحقيقي: انهيار الحسّ بالاستغراب، ثم انهيار الغضب، ثم أخيرًا انهيار السؤال نفسه.
وهنا يصبح “إعادة التدوير” ليست إهانة، بل توصيفًا مريرًا لحاجة ملحة: إعادة تدوير الفكرة قبل البنية، والقيمة قبل المؤسسة، والإنسان قبل كل شيء. لأن أي وطن لا يبدأ من الإنسان، ينتهي إليه أيضًا… لكن في شكل رماد.
في النهاية، ليست المشكلة أن الحياة صعبة، بل أن الصعوبة أصبحت بلا تفسير، بلا أفق، وبلا وعدٍ صادق بأن هناك نهاية لهذا الانحدار. وعندما يفقد الناس الإحساس بالاتجاه، يصبح السؤال ليس: أين نحن ذاهبون؟ بل: هل نحن ما زلنا نذهب أصلًا؟