--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتخفى الاستبداد بالأسماء .

Salah Kirata • ١٦‏/٢‏/٢٠٢٦

٣٦٣٣٦٣9-1706956716.jpg

حين يتخفّى الاستبداد في الأسماء :

في التالي من قولي أؤكد اني لست أنا من يكتب نصّ اتهام لطائفة، ولا بيان تبرئة لسلطة، بل محاولة لفكّ الالتباس الذي عاش طويلًا في الوعي السوري اقصد :   - أين تنتهي الجماعة الاجتماعية وأين تبدأ شبكة الحكم؟..
-  وكيف يتحوّل الخوف إلى هوية، والسلطة إلى اسمٍ سهل التداول؟..

 فيما يلي سأحاول تقديم سردية عن منظومةٍ حكمت باسم الاستقرار، وتحصّنت بالولاء، ثم تركت المجتمع يواجه ثمن الاختزال :

لم يبدأ الخراب حين سقطت القذيفة الأولى، بل حين صار الخوف اسمًا آخر للبلاد، وحين تعلّم الناس أن يتهجّوا الصمت كما يُتهجّى الوطن، في سورية، لم يكن السؤال يومًا عن طائفةٍ تحكم، بل عن سلطةٍ تعلّمت أن تتخفّى في الأسماء السهلة، فالاسم الأسهل كان الطائفة، والاسم الأدق كان منظومة كاملة من القهر المُدار بعناية، في الذاكرة السورية امتزج الاثنان حتى بدوا، عند كثيرين، وجهين لشيء واحد، بينما الواقع كان أكثر التواءً، وأشدّ قسوة، وأبعد عن الاختزال...
منذ أن أمسك حافظ الأسد بمفاصل البلاد عام ١٩٧٠، لم يحدث مجرّد انتقال للحكم، بل انغلاق طويل للأفق، فقد دخلت سورية زمنًا جديدًا تُقاس فيه النجاة بمقدار الصمت، وتُقاس الوطنية بقدرة المرء على ألّا يرى، وصار الأمن لغة الدولة اليومية، وصارت السياسة همسًا يخشى أصحابه سماعه، وشيئًا فشيئًا، تحوّلت الدولة إلى شبكة لا تُرى، شبكة تتقدّم فيها الثقة على القانون، والولاء على الكفاءة، والاستقرار المُعلن على الحياة السياسية المُغيّبة...
تمدّدت هذه الشبكة في مفاصل القوة الصلبة، الجيش والأجهزة الحسّاسة، وشدّت عقدها حول دوائر عائلية ومناطقية ضيّقة،يغلب عليها انتماء بعينه، لا لأن الطائفة قرّرت أن تحكم، بل لأن الخوف حين يبحث عن ملجأ يعود إلى الأقرب إلى جلده...
ومع ذلك، لم تكن الطائفة يومًا كيانًا سياسيًا موحّدًا، ولا مجلسًا سريًا اتفق على حكم البلاد، بل كانت، كما كل الطوائف، مجتمعًا واسعًا تتجاور فيه المصائر المتناقضة، فقراء يكدحون في مدنٍ بعيدة عن الضوء مهمّشون لا يعرفون من السلطة سوى ثقلها اليومي، مؤيدون بحكم الخوف أو المصلحة أو الوهم، ومعارضون دفعوا أثمانًا قاسية في السجون أو في ساحاتٍ لم يختاروها...
 على الساحل، كما في الداخل،عاش أناسٌ بسطاء لا صلة لهم بدوائر القرار ولا بشبكات الثروة، فيماكانت الكاميرات تتعلّق بقلّة قريبة من مركز الشبكة وتُسقط ظلّها على الجميع...
 هكذا وُلد التعميم من صورة جزئية وهكذا تحوّل الاستثناء إلى قاعدة في المخيال العام...
حين انتقلت السلطة إلى بشار الأسد، لم تتبدّل البنية العميقة للنظام، بل ظلّ القلب الأمني صلبًا ومغلقًا، دائرة ضيّقة من الثقة تُمسك بالمفاتيح الثقيلة، بينما اتّسعت الواجهة لتضمّ وجوهًا من أطياف دينية واجتماعية متعددة، حكومة وبرلمان وحزب ورجال أعمال كبار لا ينتمون إلى طائفة واحدة، فقد بدت الصورة ملوّنة من الخارج، لكن الداخل ظلّ محكومًا بمنطق الحماية المتبادلة، بمن يدخل الدائرة يحظَ بدرعها ما دام جزءًا من آليتها، ومن يخرج منها يُسحب عنه الغطاء مهما كان اسمه أو نسبه أو مذهبه، اذ لم يكن الانتماء الديني شرط الدخول بقدر ما كان الولاء الشخصي، والارتباط الأمني، وتبادل المنافع هو المفتاح الحقيقي للأبواب الثقيلة...
لهذا بدا التعبير المجازي عن ( طائفة السلطة ) أو بشكل أكثر عمقاً ( طائفة الأسد) أقرب إلى توصيف شبكة لا مذهب، رابطة مصالح وحماية لا عقيدة، فالطائفية هنا لم تكن مشروعًا أيديولوجيًا مُعلنًا، بل آلية ثقة تُستدعى عند القلق، وأداة تحصين تُستخدم حين تضيق المساحة، لكن حين كان النظام يشعر باستقرارٍ نسبي، كان يوسّع دائرة المنتفعين، وحين يشتدّ خوفه، كان يعود إلى الحلقة الأكثر التصاقًا به، براغماتية سلطةٍ تعرف كيف تُبدّل أقنعتها من دون أن تغيّر جلدها...
ثم جاءت سنوات القمع الطويلة لتتراكم فوق صدور الناس، وجاء الانفجار الكبير بعد ٢٠١١ ليكسر السطح ويُخرج ما تحته إلى الضوء، ففي تلك اللحظة، انزلق الخطاب العام إلى اختزالٍ جارح، ولوّحت السلطة بورقة حماية الأقليات، فيما انجرف بعض خصومها إلى خطابٍ طائفي معاكس، فوجد ملايين السوريين أنفسهم محاصرين بمعادلة قاسية لا عدالة فيها،  فإمّا أن تكون مع السلطة أو ضد جماعتك، لذا تآكلت الحدود بين المجتمع والدولة، وبين الفرد وانتمائه، وبدا الصراع وكأنه نزاع هويات، فيما كان في جوهره صراعًا على السياسة المُصادَرة، وعلى دولةٍ أُفرغت من معناها، وعلى مؤسساتٍ تحوّلت إلى أدوات ولاء...
غير أن الدول لا تنهار لأن طائفة قرّرت ذلك، بل لأنها تُغلق السياسة، وتُقصي المجتمع، وتربط البقاء بالانصياع، كون الاستبداد بطبيعته يبحث عن سند اجتماعي يحتمي به حين تُسأل شرعيته، لكنه يظلّ استبدادًا مهما بدّل عباءته، لأن العباءة لا تغيّر طبيعة الجسد الذي تحتها، والهوية لا تُبرّئ الفعل حين يكون الفعل هو القمع نفسه، لذا فبين التبرئة المطلقة والإدانة الجماعية مساحة واسعة للحقيقة، فالذي حكم سورية لم يكن الطائفة بوصفها جماعة اجتماعية، بل منظومة " عائلية – أمنية – اقتصادية " استخدمت الانتماء ضمانة داخلية، ووسّعت شبكتها لتشمل منتفعين من كل المكوّنات، فصار كثيرون واجهةً، وبقي القليل قلبًا صلبًا يُمسك بالخيوط...
وحين يُقرأ التاريخ بهدوء، بعيدًا عن رغبة الانتقام وبعيدًا عن وهم التبرئة الشاملة، يعود كل شيء إلى موضعه الطبيعي، فالذنب سياسي قبل أن يكون مذهبيًا، ومسؤولية الاستبداد تقع على من صنعه وأداره وحماه واستثمر فيه، لا على جماعة وُلدت داخل حدوده وعاشت تناقضاته ودُفعت، في كثير من الأحيان، إلى دفع أثمان لا علاقة لها بقرارات لم تتخذها، لذا فإن الخلط بين الطائفة والسلطة لا يفسّر ما جرى، بل يعمّق الشروخ ويعيد إنتاج الظلم بلغة أخرى، بينما فهم السلطة بوصفها شبكة مصالح مغلقة يفتح بابًا لتحليلٍ أدقّ، وربما يترك نافذة صغيرة لمستقبلٍ أقلّ انقسامًا...
وفي آخر الصورة، بعيدًا عن الخرائط والخطابات، يجلس رجلٌ في قريةٍ على الساحل أمام بيتٍ متعب، يعدّ ما تبقّى من راتبه بعد أن ارتفعت الأسعار، ولا يعرف من السلطة سوى أنها بعيدة، ثقيلة، ولا تشبهه، وفي مدينةٍ أخرى، يجلس رجلٌ يشبهه كثيرًا، يحدّق في الجدار ذاته، ويحسب الخسارات بالطريقة نفسها، لا يجمع بينهما مذهب، بل تعبٌ واحد، وخيبةٌ واحدة، وبلدٌ تعلّم طويلًا كيف يُحمِّل أبناؤه وزر ما صنعته شبكةٌ لم تكن يومًا صورتهم ولا صوتهم.