--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتكلم عون: بين دولةٍ يريدها اللبنانيون ودويلةٍ يفرضها السلاح

Salah Kirata • ٩‏/٣‏/٢٠٢٦

9734.jpg

حين يتكلم عون: بين دولةٍ يريدها اللبنانيون ودويلةٍ يفرضها السلاح:

لم يكن كلام العماد ميشال عون عن أن حزب الله يسعى إلى "سقوط دولة لبنان" مجرد تصريح سياسي عابر، ولا جملة قيلت في لحظة توتر عابرة. بل كان، في جوهره، تعبيراً مكثفاً عن أزمة لبنانية عميقة تتجاوز الأشخاص والأحزاب لتصل إلى السؤال الأخطر في تاريخ لبنان الحديث: هل ما زالت هناك دولة اسمها لبنان؟

فعندما يتحدث رئيس جمهورية سابق، كان يوماً حليفاً وثيقاً لحزب الله، عن أن هذا الحزب يسعى إلى سقوط الدولة، فإن المعنى لا يقف عند حدود الخلاف السياسي. إنه اعتراف ضمني بأن التجربة اللبنانية خلال السنوات الماضية وصلت إلى طريق مسدود، وأن التوازن الذي قام على التعايش بين الدولة والسلاح الموازي لم يعد قابلاً للاستمرار.

لقد قام النظام اللبناني، منذ اتفاق الطائف، على معادلة واضحة: دولة واحدة، وسلطة واحدة، واحتكار واحد للقوة المسلحة. غير أن الواقع الذي تكرّس تدريجياً منذ نهاية الحرب الأهلية، ثم تعزز بعد عام 2006، كان مختلفاً تماماً. فقد نشأت في لبنان بنية موازية للدولة، تملك قرار الحرب والسلم، وتتحرك وفق حسابات إقليمية لا تخضع دائماً لمصلحة الدولة اللبنانية أو لإجماع اللبنانيين.

من هنا يمكن فهم خلفية كلام عون. فهو، بحكم تجربته الطويلة في الحكم، يعرف أن الدولة لا تسقط فقط حين تنهار مؤسساتها المالية أو تتفكك إدارتها، بل حين تفقد قدرتها على احتكار القرار السيادي. وعندما يصبح قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، فإن الدولة نفسها تتحول إلى إطار شكلي، بينما ينتقل مركز القوة الحقيقي إلى جهة أخرى.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في التجربة اللبنانية. فحزب الله، الذي يبرر سلاحه دائماً بحماية لبنان، يجد نفسه متَّهماً من أحد أبرز حلفائه السابقين بأنه يساهم في تقويض الدولة التي يقول إنه يحميها. وهذه المفارقة تعكس التناقض البنيوي في المعادلة اللبنانية: لا يمكن لدولة أن تقوم كاملة السيادة بينما يوجد داخلها تنظيم مسلح يملك قدرة عسكرية تفوق قدرة الجيش الوطني.

غير أن كلام عون لا يمكن فهمه أيضاً خارج سياق الانهيار الشامل الذي يعيشه لبنان منذ عام 2019. فالدولة التي انهار نظامها المالي، وتفككت مؤسساتها، وهاجر شبابها، أصبحت دولة ضعيفة إلى درجة أن أي قوة منظمة داخلها يمكن أن تملأ الفراغ. وفي مثل هذا السياق، يصبح الصراع الحقيقي ليس بين أحزاب، بل بين نموذجين للبنان: لبنان الدولة، ولبنان الساحات المفتوحة للصراعات الإقليمية.

إن ما قاله عون، سواء اتفق اللبنانيون معه أو اختلفوا، يعيد طرح السؤال المؤجل منذ عقود: هل يمكن للبنان أن يبقى دولة طبيعية في ظل ازدواجية السلاح والقرار؟ أم أن هذه الازدواجية ستقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى سقوط الدولة وتحولها إلى مجرد اسم على الخريطة؟

التاريخ اللبناني يعلمنا أن الدول لا تسقط فجأة. إنها تذبل تدريجياً، عندما تتآكل سلطتها، وتضعف مؤسساتها، ويصبح القرار الوطني موزعاً بين قوى متعددة. وعندما يصل البلد إلى هذه المرحلة، يصبح سقوط الدولة ليس حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التآكل.

ولهذا فإن أهمية كلام عون لا تكمن فقط في مضمونه السياسي، بل في دلالته التاريخية. إنه صوت من داخل النظام اللبناني نفسه يقول إن المعادلة الحالية لم تعد قابلة للحياة. والسؤال الذي سيواجه اللبنانيين في السنوات القادمة لن يكون فقط من يحكم لبنان، بل: هل سيبقى لبنان دولة أصلاً؟