
حين يتقدّم رجل العقيدة: هل تدخل إيران زمن الحسم بدل التفاوض؟
في لحظات التحول الكبرى، لا تتغير السياسات فقط، بل تتغير طبيعة الرجال الذين يتصدرون المشهد. ومع غياب شخصية مثل ، الذي مثّل لسنوات نموذج السياسي القادر على المناورة بين التصلب والمرونة، يبدو أن الطريق بات ممهداً لصعود نمط مختلف تماماً من القيادة، يتجسد في .
المسألة هنا لا تتعلق باستبدال اسم بآخر، بل بتحول في الفلسفة الحاكمة. لاريجاني كان ينتمي إلى مدرسة تدير الصراع، تحاول كسب الوقت، وتوازن بين الضغوط دون أن تكسر الخيوط بالكامل. أما جليلي، فيمثل مدرسة ترى أن الصراع ليس شيئاً يجب احتواؤه، بل خوضه حتى النهاية. هو لا ينطلق من حسابات الربح والخسارة التقليدية، بل من قناعة راسخة بأن التراجع، حتى التكتيكي، قد يكون بداية الانهيار.
هذه الرؤية ليست جديدة، لكنها كانت دائماً حاضرة في الخلفية، تُستخدم عند الحاجة وتُخفف عند الضرورة. الجديد اليوم هو احتمال انتقالها إلى الواجهة، لتصبح هي القاعدة لا الاستثناء. وهنا يكمن القلق الحقيقي: حين تتحول العقيدة إلى أداة حكم مباشرة، تضيق مساحة المناورة، وتختفي المناطق الرمادية التي تُصنع فيها التسويات.
تجربة جليلي في الملف النووي تكشف الكثير عن هذا النهج. لم يكن يميل إلى تقديم تنازلات، ولا إلى قراءة المفاوضات كمساحة حلول وسط، بل كحلبة اختبار للإرادة. من هذا المنظور، يصبح الاتفاق ضعفاً إن لم يحقق كل الشروط، ويصبح الحوار مجرد وسيلة لكسب الطرف الآخر لا للتلاقي معه. هذه العقلية، إذا ما سيطرت على القرار، تعني أن الدبلوماسية لن تُلغى شكلياً، لكنها ستُفرغ من مضمونها.
في الداخل، قد يبدو هذا التحول مغرياً. رجل حاسم، واضح، لا يساوم، وقادر على شد العصب في لحظة مواجهة. لكن في الخارج، الصورة مختلفة تماماً. العالم لا يتعامل مع النوايا، بل مع السلوك. وإذا ترسخ انطباع بأن طهران انتقلت من إدارة التوتر إلى تعظيمه، فإن دوائر الضغط ستتسع، وقد تدخل المنطقة في مرحلة أكثر خطورة، حيث يصبح سوء التقدير احتمالاً قائماً في كل لحظة.
السؤال الأهم ليس ما إذا كان جليلي قادراً على فرض رؤيته، بل ما إذا كانت هذه الرؤية قابلة للاستمرار في بيئة دولية معقدة. التاريخ مليء بقادة آمنوا بأن الصلابة وحدها كافية، لكن الواقع غالباً ما يفرض توازناً بين القوة والمرونة. التحدي الحقيقي ليس في رفع سقف المواقف، بل في معرفة متى يجب خفضه دون أن يبدو ذلك هزيمة.
إذا صعد رجل العقيدة إلى قمة القرار، فإن إيران قد تدخل بالفعل مرحلة جديدة، أكثر وضوحاً وأقل التباساً، لكنها أيضاً أكثر حدة وخطورة. عندها لن يكون السؤال: هل تتفاوض طهران أم لا؟ بل: إلى أي حد يمكن أن يذهب التصعيد قبل أن يفرض العالم كلمته بطرق أخرى.