
👇
حين يُعاد تشكيل الواقع: كيف تُدار السرديات الإعلامية وتُفكَّك الرموز السياسية :
لسنا نعيش عصر تضليل الوقائع بقدر ما نعيش عصر هندسة المعاني.
الخبر قد يكون صحيحًا من حيث التفاصيل، لكن طريقة تقديمه هي التي تحدد مكانه في وعي الجمهور: هل يبدو حدثًا مفصليًا؟ أم مجرد تفصيل عابر في مسار طويل؟ هنا تبدأ اللعبة الحقيقية: لعبة التحكم في الدلالة، لا في المعلومة.
وسائل الإعلام لا تكتفي بوضع الكاميرا على الحدث، بل تختار زاوية التصوير، وتحدّد الإضاءة، وتقرّر أي الأصوات تُسمَع وأيها يُهمَّش. حين تغيّر مؤسسة إعلامية إطار التناول لشخصية سياسية، فهي لا تقول صراحة إن “الرواية السابقة خاطئة”، لكنها تعيد ترتيب العناصر بطريقة تجعل المعنى الجديد يبدو أكثر منطقية، وأكثر “عقلانية”، وأقل انفعالًا. والنتيجة: يتغيّر موقع الرمز في المخيال العام من دون أن يتغيّر الحدث ذاته.
من البطولة إلى السياق: تفريغ المعنى بهدوء
تفكيك الرمزية لا يأتي عبر المواجهة المباشرة، بل عبر سلسلة خطوات ناعمة ومتراكمة.
يُعاد توصيف الإنجاز بوصفه ثمرة توازنات دولية أو تحوّلات إقليمية أو مسار إداري طويل، فتذوب فكرة الفعل القيادي داخل “ظروف عامة”. بعدها ينتقل الضوء من الصورة الكلية إلى التفاصيل الصغيرة: تعثر هنا، ارتباك هناك، خلاف داخلي في زاوية المشهد. ومع التكرار، يتحول الرمز من عنوان جامع إلى ملف إشكالي متعدد الملاحظات.
ثم تأتي المقارنة بوصفها أداة تقليل: وضع الشخصية في ميزان واحد مع نماذج أخرى، ليس بهدف الفهم التاريخي، بل لإنتاج إحساس ضمني بأنها أقل فرادة وأقل أثرًا. وبعد ذلك يُفصل الحدث عن الفاعل تمامًا، فيُقدَّم على أنه نتيجة منطقية لمسار تاريخي “كان سيقع على أي حال”. هكذا ينتقل الفعل من كونه مبادرة واعية إلى كونه محطة في قطار لا سائق له.
اللغة التي تُفرغ الحدث من ثقله
حتى الأسئلة التلفزيونية البسيطة يمكن أن تكون جزءًا من هذا البناء.
تكرار الاستفهامات التي تبدو بريئة من نوع: ما الجديد؟ أين التغيير؟ ما القيمة العملية؟ لا يعمل فقط على مساءلة الحدث، بل على تقزيمه رمزيًا. مع الوقت، لا يعود المشاهد يناقش أهمية الحدث، بل يبدأ في الشك أصلًا بجدواه. هذا النوع من الخطاب لا يهدم الرواية القديمة دفعة واحدة، بل يستنزف معناها قطرة قطرة.
لماذا تختار المؤسسات هذا الطريق؟
لأن السرديات ليست حيادية في لحظات التحوّل.
إعادة تشكيل المعنى قد تكون محاولة للتماهي مع مزاج سياسي معيّن، أو لإنقاذ رواية قديمة من الانهيار، أو لمنع تشكّل رموز جديدة يمكن أن تعيد خلط الأوراق في الفضاء العام. أحيانًا تكون الغاية إدارة القلق الجماعي في مراحل انتقالية مضطربة، عبر تبريد اللغة، ونزع الشحنة الرمزية من الأحداث والشخصيات.
الخلاصة: من يملك السردية يملك الاتجاه
المواجهة الأعمق في زمننا ليست على “من انتصر؟” بل على “كيف سنروي ما جرى؟”.
حين يُعاد تعريف المعاني، يتغيّر موقع الأشخاص في الذاكرة الجماعية، ويتبدّل وزن الأحداث في الضمير العام، من دون أن يتبدّل الحدث نفسه.
الوعي هنا لا يعني رفض كل خبر، بل قراءة ما وراء طريقة عرضه:
ما الذي أُبرز؟
ما الذي أُخفي؟
وأي إطار صُمّم كي نرى الواقع من خلاله؟
حين نطرح هذه الأسئلة، نخرج من دور المستهلك للسرديات الجاهزة، وندخل موقع الشريك في تفكيكها وإعادة فهمها.