--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يُحاصَر العقل… في وطنٍ أنهكه الضجيج

Salah Kirata • ٤‏/٥‏/٢٠٢٦

29670.jpg

حين يُحاصَر العقل… في وطنٍ أنهكه الضجيج

بعد كل هذا الانحدار الذي مرّت به سورية خلال العقود الماضية، لم يعد السؤال مجرّد تأملٍ في المصير، بل صار سؤالًا يلامس جوهر البقاء:

- إلى أين تمضي سوريا؟..

-  وإلى أي شكل من الحياة يمكن أن تنتهي بعد كل هذا الاستنزاف؟..

سورية، التي كانت يومًا مساحةً غنيةً بالتعدد الفكري والثقافي، تبدو اليوم وكأنها تقف على حافة تحوّلٍ عميق: ليس فقط في السياسة والاقتصاد، بل في طريقة فهم الناس للعقل نفسه. لم يعد التفكير فعلًا طبيعيًا يُحتفى به، بل بات في أحيان كثيرة يُنظر إليه بحذر، وكأنه ترفٌ لا يناسب لحظة الانهاك العام.

في بلدٍ تراكمت عليه الحروب، والانقسامات، والهجرات، والانكسارات، لم يعد الضجيج مجرد صوتٍ خارجي، بل أصبح حالةً داخلية. ضجيج البقاء، وضجيج الخوف، وضجيج الحاجة اليومية الذي يزاحم أي مساحة هادئة للتأمل أو السؤال. وفي هذا المناخ، يتراجع العقل خطوةً بعد أخرى، لا لأنه عاجز، بل لأن البيئة من حوله لم تعد صديقة لعمله الطبيعي.

ومن هنا يمكن فهم تلك العبارة القاسية التي لا تبدو بعيدة عن الواقع الرمزي: «سيأتي زمنٌ يُمنَعُ فيه الأذكياء من التفكير، حتى لا يُهينوا الحمقى.»

في السياق السوري، لا يظهر المنع دائمًا كقرار مباشر، بل كحالة تدريجية من الإزاحة. يُطلب من الفكر أن يكون “أخفّ”، من التحليل أن يكون “أبسط”، ومن الأسئلة أن تكون “أقل إزعاجًا”. وكأن العمق صار عبئًا إضافيًا على مجتمعٍ مرهق أصلًا، لا يحتمل المزيد من التعقيد.

هكذا يتشكل مشهدٌ غريب: ليس فيه قطيعة مع العقل، بل إعادة تعريف له. لم يعد المطلوب أن يكون الإنسان مفكرًا، بل أن يكون “مفهومًا” بالمعنى السريع، حتى لو كان الفهم ناقصًا. وتُستبدل الفكرة بالانطباع، والتحليل بالشعار، والحقيقة بروايات متوازية تتعايش دون أن تلتقي.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن هذا التحول لا يُفرض فقط من الأعلى، بل يتسلل أيضًا من الأسفل، من تعب المجتمع نفسه. مجتمعٌ أنهكته السنوات، قد يميل أحيانًا إلى تفضيل الإجابة السهلة على السؤال المعقد، ليس رفضًا للعقل، بل هروبًا من كلفة التفكير.

ومع ذلك، فإن سورية ليست فقط هذا المشهد المتعب. في داخلها، ما زالت هناك طبقات صامتة من الوعي، تعمل بهدوء، وتفكر رغم كل شيء. في الكتابة، في التعليم، في المبادرات الصغيرة، وفي تلك المحاولات الفردية لفهم ما جرى وما يمكن أن يأتي.

التاريخ السوري لم يكن يومًا خطًا مستقيمًا، بل كان سلسلة من الانقطاعات والعودة. وفي كل لحظة انقطاع، كان العقل هو أول ما يُستهدف، وأول ما يحاول أن يعود. لأن الأمم لا تنهار فقط حين تُهزم، بل حين تتوقف عن طرح الأسئلة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: -ماذا حدث لسورية؟

 بل:

- ماذا حدث لمساحة التفكير فيها؟..

حين يصبح التفكير عبئًا، لا يعود الخطر في أن الأذكياء يفكرون، بل في أن المجتمع كله يبدأ بالتعود على فكرة أن التفكير نفسه غير ضروري.

ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة بسيطة لكنها عنيدة:
لا يمكن لوطنٍ أن ينهض طويلًا على سطحٍ بلا عمق، ولا يمكن أن يستمر في العيش إذا صادق فكرة أن العقل يجب أن يُخفض صوته.

فحتى في أكثر اللحظات انحدارًا، يبقى التفكير — ولو بصوت منخفض — آخر أشكال الحياة التي لم تُهزم بعد.