
ليس من الدقة اختزال ما تعيشه المجتمعات العربية اليوم في عاملٍ واحد، كضعف الروح الوطنية، رغم أن هذا الضعف بات ظاهراً في سلوك الأفراد والجماعات على حدّ سواء. فالمسألة أعمق من مجرد تراجع في المشاعر الجامعة؛ إنها نتيجة مسار طويل من التفكيك المنهجي الذي طال الدولة والمجتمع معاً، حتى باتت الكيانات الوطنية هشّة من الداخل، قابلة للاختراق، وسريعة الانقسام عند أول اختبار.
لقد أدركت القوى الخارجية، منذ وقت مبكر، أن الضربات المباشرة من الخارج كثيراً ما تُنتج أثراً عكسياً، إذ تدفع المجتمعات إلى التماسك المؤقت في مواجهة خطر مشترك. غير أن التحول الحقيقي في أساليب التأثير جاء عندما أصبح الهدف هو الداخل نفسه: تفكيك بنيته، إضعاف مناعته، وإعادة تشكيله من خلال تناقضاته. وهنا لم يعد التدخل الخارجي يحتاج إلى قوة صلبة، بل اكتفى باستثمار الشروخ القائمة وتعميقها.
لكن هذه الشروخ لم تنشأ من فراغ. فالاستبداد، عبر عقود، لم يكتفِ باحتكار السلطة، بل عمل على تقويض فكرة الدولة ذاتها. تم إضعاف المؤسسات، وتهميش القانون، وتحويل السياسة إلى مجال مغلق تديره شبكات الولاء لا قواعد المشاركة. ومع الوقت، تآكلت الثقة بين مكونات المجتمع، وتراجعت فكرة الصالح العام لصالح الانتماءات الضيقة، من طائفية وعشائرية ومناطقية، لتصبح بديلاً عن هوية وطنية جامعة.
في مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تفشل القوى السياسية في إنتاج مشروع جامع. فبدلاً من أن تتشكل نخب قادرة على حمل رؤية وطنية، نشأت مجموعات متنافرة، تحكمها الحسابات الضيقة، وتغريها مصادر الدعم الخارجي أكثر مما يلزمها بناء قاعدة داخلية صلبة. وهكذا تحوّل الفضاء السياسي إلى ساحة صراع مفتوح، لا ينتج تراكماً، بل يعمّق الانقسام ويبدد الإمكانات.
النتيجة لم تكن مجرد تعثر في التغيير، بل فراغاً سياسياً سرعان ما جرى ملؤه. وهذا الفراغ، كما تُظهر التجارب، لا يبقى طويلاً بلا بديل. إذ تتقدم قوى منظمة، مدعومة أو مُصنَّعة، لتحتل المشهد، مقدّمة نفسها كخيار جاهز، لكنه في الغالب لا يعكس تطلعات المجتمع ولا يؤسس لمستقبل مستقر. وهنا تتجلى المفارقة: يسقط نموذج الاستبداد القديم، لكن شروطه العميقة تبقى قائمة، فتُعاد إنتاجه بأشكال جديدة.
إن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما جرى يريح الضمير، لكنه لا يفسر الواقع. كما أن إلقاء اللوم الكامل على الداخل يتجاهل شبكة المصالح والتدخلات التي لا يمكن إنكارها. الحقيقة تقع في منطقة التفاعل بين الاثنين، حيث يلتقي ضعف الداخل مع طموح الخارج، فينتج هذا المشهد المأزوم.
الخروج من هذه الدائرة لا يكون بالشعارات، ولا باستدعاء خطاب أخلاقي عن الوطنية، بل بإعادة بناء الأساس الذي تقوم عليه الدولة. دولة تقوم على المواطنة لا الامتياز، على القانون لا الولاء، وعلى المشاركة لا الإقصاء. دون ذلك، ستبقى الروح الوطنية شعاراً هشّاً، وسنظل ندور في الحلقة نفسها: انهيار، فراغ، ثم بديل لا يشبهنا ولا يشبه ما حلمنا به."