
حين يُختطف المعنى:
في صباح 22 آذار 1985، كان مطار بيروت لا يزال يحتفظ بملامح مدينةٍ معلّقة بين الحرب والحياة. طائرات تهبط وتقلع، ووجوه تحمل توتراً خفياً، وكأن المدينة كلها تمشي فوق حبلٍ مشدود بين احتمالين: النجاة أو الاختفاء.
لم يكن ميشيل سورا رجلاً عابراً في هذا المشهد. كان يحمل في داخله مشروعاً فكرياً، وهاجساً مهنياً يلاحق به فكرة الدولة، ويُفتّش في أعماقها عن معنى السلطة والعنف والشرعية. عُرف باسمه المستعار في بعض كتاباته، كأنّه يحاول أن يختبئ قليلاً من أعينٍ قد لا تتسامح مع الأسئلة.
عاد إلى بيروت من باريس، لا كزائرٍ عابر، بل كمن يعود إلى نقطة التماس بين الحياة الخاصة والتاريخ الكبير. هناك كانت تنتظره زوجته السورية، ماري معمارباشي، وطفلتاه. لم يكن يفكر في السياسة فقط، بل في دفء البيت، في وجوه صغيرة تناديه، وفي تفاصيل حياةٍ يحاول أن يحميها من قسوة العالم.
لكن بيروت في تلك اللحظة لم تكن تسمح بالحياة البسيطة.
فمع خروجه من المطار، اختفى سورا فجأة، كما لو أن المدينة ابتلعته. لم يكن وحده، بل كان برفقة الصحافي الفرنسي ميشيل كوفمان. عملية اختطاف سريعة، دقيقة، صامتة، كأنها صُممت لتقول إن اليد التي تسيطر على الأرض قادرة على التحكم بالمصائر أيضاً.
أعلنت لاحقاً جهة عُرفت باسم "منظمة الجهاد الإسلامي" مسؤوليتها عن العملية، وهي اسم كان جزءاً من مشهدٍ معقد من التنظيمات المسلحة التي ظهرت في تلك المرحلة، قبل أن تتبلور لاحقاً في إطار سياسي وعسكري أكثر وضوحاً.
كانت المطالب واضحة:
الإفراج عن أنيس النقاش ورفاقه، المرتبطين بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار في باريس عام 1980. وهكذا، تحوّل سورا من باحثٍ في بنية الدولة إلى ورقة في لعبة دولية، حيث تختلط فيها السياسة بالأمن، والرسائل بالعنف، والرموز بالدم.
لم يكن سورا، في نظر خاطفيه، مجرد أكاديمي. بل كان يمثل، في سياقهم، "الجاسوس" أو "العين الغربية" التي تراقب وتكتب وتفسّر. بينما كان هو، في نظر نفسه، يسعى لفهم بنية مجتمعٍ ودولة، لا لإدانتها فحسب، بل لتفكيكها.
وإذا كان اختطافه قد شكّل لحظة صادمة، فإن حياته السابقة كانت تمهيداً فكرياً لها.
وُلد ميشيل سورا في تونس عام 1947، لأسرة فرنسية، وعاش طفولته في بيئةٍ عربية-فرنسية متداخلة، قبل أن تعيده أحداث 1961 إلى باريس، حيث تابع دراسته في ليون. لكن أوروبا لم تكن كافية لاحتواء فضوله. فاختار، في عام 1971، أن يعود إلى الشرق، إلى بيروت، المدينة التي كانت في تلك الفترة مختبراً مفتوحاً للأفكار والثورات والتناقضات.
تنقّل بين بيروت ودمشق وباريس، لا كصحافي عادي، بل كمراقبٍ يسعى إلى بناء فهمٍ عميق. زار المخيمات الفلسطينية، وراقب التحولات الاجتماعية والسياسية عن قرب. ومع مرور الوقت، تشكلت لديه رؤية خاصة، مستوحاة من منهجيات تحليلية كلاسيكية، قريبة من روح ابن خلدون، في فهم دورة صعود الدول وسقوطها.
كانت كتاباته في مجلة "Esprit" الفرنسية مساحةً لنشر أفكاره، أحياناً باسمه الحقيقي، وأحياناً باسمٍ مستعار، كأنّه يعيش في منطقة رمادية بين الكشف والاختباء.
استقر في بيروت الغربية عام 1980، وبقي فيها حتى أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين هرب كثيرون، وبقي هو، وكأنه اختار أن يظل شاهداً لا يغادر موقع الشهادة.
ثم جاءت اللحظة التي انتهت فيها حياته كما عرفها.
في 5 آذار 1986، أعلنت الجهة الخاطفة إعدامه، تحت وصف "الجاسوس". لم يكن الإعلان مجرد خبر، بل كان إعلاناً عن نهاية رجلٍ اختطف مرتين: مرة بجسده، ومرة بمعناه الذي حاول أن يتركه في العالم.
اختفى جسده لعقود. بقيت أفكاره، كتاباته، وتأويلاته حية. لم يُكشف عن رفاته إلا بعد سنوات طويلة، حين عُثر عليه في تشرين الأول/أكتوبر 2005، وسُلّمت إلى فرنسا في 2006. كأن الزمن نفسه احتاج إلى أن يهدأ قبل أن يعيد ما أخفته السياسة والحرب.
أما كتابه الأشهر، "سوريا: الدولة المتوحشة"، فقد خرج من كونه عملاً أكاديمياً إلى كونه مرجعاً في فهم طبيعة السلطة في سوريا. لم يكن مجرد وصفٍ سياسي، بل محاولة لفهم كيف تُبنى الدولة على أساس من الأجهزة الأمنية، وكيف يُعاد تشكيل المجتمع عبر الخوف والرقابة والولاء.
رأى سورا أن العنف ليس طارئاً، بل بنية. وأن الدولة لا تكتفي بإدارة الناس، بل تُعيد صياغة شروط وجودهم. وأن المجتمع، في ظل هذا النمط، يتحول إلى فضاءٍ مراقَب، حيث يصبح الصمت مهارة بقاء، والكلام مخاطرة محسوبة.
كتب: "السيطرة في هذه الدولة لا تقوم على إدارة الناس، بل على إحكام شروط وجودهم… بحيث يصبح الخروج عن النظام مكلفاً إلى حدّ الاستحالة."
وكان يذهب أبعد من ذلك، حين رأى أن الخوف لا يُفرض فقط من الأعلى، بل يُزرع في تفاصيل الحياة اليومية، حتى يصبح الفرد رقيباً على نفسه.
"الأسد لم يخلق نظاماً بوليسياً فحسب، بل خلق مجتمعاً بوليسياً…"
لكن المفارقة أن الرجل الذي حاول أن يفهم الدولة، وجد نفسه ضحية لآليات السلطة خارج حدودها أيضاً. فالاختطاف، في جوهره، لم يكن فقط عملاً عسكرياً، بل كان رسالة: أن المعرفة ليست محايدة، وأن من يقترب من مناطق النفوذ قد يدفع الثمن.
في تلك المرحلة، كانت المنطقة تشهد تصاعداً حاداً في التوتر، خاصة مع بروز قوى جديدة، وصراعات دولية وإقليمية متداخلة، حيث امتزجت عمليات مثل تفجير المارينز في بيروت عام 1983، وتفجير مبنى "دراكار"، مع إعادة تشكيل موازين القوى في لبنان والمنطقة.
وهكذا، ظل سورا معلقاً بين عالمين: عالم الباحث الذي حاول أن يفهم، وعالم الضحية الذي لم يُمنح فرصة للشرح.
لكن ما بقي بعده لم يكن مجرد كتاب، بل سؤال مفتوح:
هل يمكن فهم السلطة دون أن تُدفع ثمن محاولة الفهم؟
وفي بيروت، المدينة التي تعلّمت أن تنسى لتستمر، ظل اسم ميشيل سورا يهمس في الذاكرة، كدليل على أن المعرفة، أحياناً، قد تكون أخطر من السلاح.