
حين يُختزل الإنسان بين قانون القوة وضجيج الهوية:
أرهقني وأقلقني وأدمى قلبي وعيني القرار الصادر عن “الكنيست” الإسرائيلي القاضي بسنّ قانون يبيح إعدام الأسرى الفلسطينيين. ليس فقط بوصفه تطوراً تشريعياً بالغ الخطورة، بل باعتباره علامة إضافية على انزلاق متسارع نحو تفكيك ما تبقى من المرجعيات الإنسانية التي يفترض أن تضبط فعل القوة وتحدّ من تغوّلها على حياة الإنسان وحقه في العدالة.
هذا القرار لا يمكن عزله عن سياقه الأوسع. فهو ليس حدثاً قانونياً منفرداً، بل امتداد لبنية صراع طويلة، تُعاد فيها صياغة مفاهيم الحق والعدالة وفق ميزان القوة، لا وفق قواعد القانون الدولي أو الاعتبارات الأخلاقية. وفي هذا السياق، يتحول الإنسان تدريجياً من كونه قيمة مركزية إلى كونه تفصيلاً ثانوياً في معادلة أمنية وسياسية مفتوحة بلا سقف.
لكن ما لا يقل إزعاجاً عن هذا التحول التشريعي، هو الضجيج الذي يرافقه في المجال العام، حيث ترتفع أصوات تتحدث باسم “الأمة” و“المسلمين”، وكأن القضية يمكن حصرها داخل هوية دينية واحدة، بينما هي في جوهرها قضية إنسانية تتجاوز كل الانتماءات الضيقة. إن خطورة هذا التبسيط لا تكمن فقط في اختزال المعاناة، بل في إعادة إنتاج الاستقطاب، وتحويل المأساة إلى سرديات مغلقة لا ترى الإنسان إلا من خلال هويته لا من خلال ألمه.
وفي لحظة كهذه، يصبح الشجب والتنديد، على ضرورتهما الأخلاقية، غير كافيين لفهم عمق الأزمة أو تغيير مسارها. فالتاريخ القريب والبعيد في المنطقة يكشف أن الخطاب، حين ينفصل عن أدوات الفعل، يتحول إلى طقس تكراري لا يوقف نزفاً ولا يردّ ظلماً، بل يكتفي بوصفه دون الاقتراب من جذوره.
إن ما نشهده اليوم هو صراع تتداخل فيه السياسة بالأيديولوجيا، وتتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية مع مشاريع النفوذ وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل الدور الإسرائيلي عن السياق الأوسع الذي تشكلت فيه المنطقة كفضاء مفتوح لتوازنات قوى كبرى ذات طابع جيو-استراتيجي، حيث تتقاطع حسابات الأمن مع منطق الإمبريالية وإعادة توزيع النفوذ.
ومع ذلك، يبقى الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو أن الإنسان هو الخاسر الأكبر دائماً. يُدفع إلى الهامش في زمن الحرب، ويُختزل في الخطاب، ويُستنزف في الواقع، بينما تتقدم لغة القوة لتحتل مركز المعنى.
بين القانون الذي يشرعن الإعدام، والصوت الذي يختزل المأساة في هوية، تضيع الحقيقة الأساسية: أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على إلغاء الإنسان، وأن أي نظام يبرر ذلك، إنما يفتح الباب أمام عالم أكثر قسوة وأقل إنسانية.