--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يُنتهك الجسد، من حرمة الموت إلى مأساة الحياة، قراءة في الفيديوهات المسربة اخيرا عن التعذيب الذي مورس في غير مكان في سورية

Salah Kirata • ٣٠‏/٤‏/٢٠٢٦

28430.png

حين يُنتهك الجسد، من حرمة الموت إلى مأساة الحياة، قراءة في الفيديوهات المسربة اخيرا عن التعذيب الذي مورس في غير مكان في سورية:

تقوم في الوعي الإنساني، منذ بدايات تشكله الأولى، مسافة أخلاقية واضحة بين الإنسان وبين الجسد الذي فقد حياته. فحتى أبسط المجتمعات وأكثرها بدائية لم تكن تتعامل مع الجثمان بوصفه مادة مهملة، بل باعتباره بقايا كائن كان حيًا، له اسم وتاريخ وعلاقات وذاكرة. لذلك نشأت طقوس الدفن، لا فقط بدافع النظافة أو الخوف من التحلل، بل بوصفها فعلًا رمزيًا يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ونهاية الإنسان.

فالجثة ليست مجرد مادة بيولوجية صامتة؛ إنها تذكير ثقيل بأن من كان يتحرك ويتكلم ويحب ويقاوم، قد انتهى إلى حالة من السكون المطلق. ومن هنا، فإن رد الفعل الطبيعي لدى الإنسان السوي لا يكون اللامبالاة، بل الانزعاج الممزوج بشيء من الرهبة، يدفعه إلى ستر هذا المشهد وإبعاده عن العيون. وكأن في ذلك محاولة لحماية المعنى الإنساني من الانهيار أمام صورة النهاية العارية.

لكن الأخطر من مواجهة الموت، هو الانحراف نحو انتهاك الجسد ذاته، لا بعد خروجه من الحياة فقط، بل وهو ما يزال فيها. فحين يتحول الجسد الحي إلى هدف للتشويه أو الإيذاء أو الإذلال، فإننا لا نكون أمام اعتداء على فرد فحسب، بل أمام انهيار كامل لفكرة الإنسان كقيمة. هنا لا يعود الأمر متعلقًا بحدود الألم الجسدي، بل بحدود الكرامة ذاتها.

ذلك أن الجسد الحي يحمل في داخله احتمال المستقبل، ووعود الحياة، وكل ما يجعل الإنسان إنسانًا. والاعتداء عليه بهذا الشكل لا يوقف الألم عند لحظته، بل يمدّه إلى المعنى، فيصبح الإنسان مستهدفًا في وجوده لا في حالته العابرة. ولهذا السبب تحديدًا، فإن أشد صور العنف ليست تلك التي تنتهي بالموت، بل تلك التي تترك الإنسان حيًا وهو يحمل أثر الانتهاك، وكأن الحياة نفسها أصبحت عبئًا إضافيًا.

إن خطورة هذا الانزلاق تكمن في أنه ينقل الفعل من مستوى الصراع أو العقوبة أو حتى الجريمة الفردية، إلى مستوى نفي الإنسانية. فكلما تم تجريد الجسد من حرمته، جرى في المقابل تجريد المجتمع من قدرته على تعريف الإنسان كقيمة مشتركة، لا كجسم قابل للاستخدام أو الإيذاء.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بكيف نعامل الموتى، بل بكيف نسمح لأنفسنا أن نتعامل مع الأحياء. فإذا كان احترام الجثمان يعكس حدًا أدنى من الوعي الأخلاقي، فإن احترام الجسد الحي هو الامتحان الحقيقي لهذا الوعي، وهو المعيار الذي يُقاس به نضج المجتمعات لا في قوانينها فقط، بل في ضميرها العميق.

في النهاية، ليست القضية في كيفية التعامل مع الجسد بعد رحيله، بل في كيفية الاعتراف به وهو ما يزال نابضًا بالحياة: كيانًا لا يجوز تحويله إلى ساحة انتهاك، ولا إلى أداة انتقام، ولا إلى مادة خارج حدود الكرامة الإنسانية.