
“حين يُستعاد الصوت الأول”:
في صباحٍ عربيٍّ يشبه البدايات، حيث تتداخل الذاكرة مع الحلم، وتنهض الكلمات من بين ركام السنوات، يعود السابع من نيسان كأنه وعدٌ لا يشيخ، وكأن الزمن، رغم كل ما مرّ به، ما زال يحتفظ بنبض تلك اللحظة الأولى التي اجتمع فيها الحالمون تحت راية فكرةٍ أكبر من حدود الجغرافيا وأعمق من تقلبات السياسة...
تسعة وسبعون عاماً، وليست مجرد رقمٍ عابر، بل رحلة ممتدة من الإيمان والعناد والتجربة، رحلة بدأت يوم قرر رجالٌ، في مقدمتهم ميشيل عفلق وصلاح البيطار، أن الأمة العربية ليست قدراً مكسوراً، بل مشروع نهوضٍ ينتظر من يوقظه، كانوا يرون ما لا يُرى، ويؤمنون بما لم يكن قد صار بعد، فصاغوا من الألم فكرة، ومن التشتت هدفاً، ومن الانكسار بداية...
لم يكن الطريق ممهداً، ولم تكن الراية خفيفة الحمل، منذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن هذا المشروع سيصطدم بالقوى التي لا ترى في وحدة العرب إلا خطراً، ولا في حريتهم إلا تهديداً... تعاقبت العواصف، وتكاثرت المؤامرات، حتى جاءت لحظات مفصلية، كان من أبرزها ما جرى في انقلاب 23 شباط 1966، حيث انحرفت المسارات، واختلطت الأسماء بالوقائع، وتحوّل الحزب في بعض مراحله إلى ساحة صراع على السلطة بدل أن يبقى حاملاً لمشروع النهضة...
ومع ذلك، لم تمت الفكرة. بقيت كامنة في الوعي، حيّة في ضمير من آمنوا بأن ما تأسس عام 1947 لا يمكن أن يُختزل في تجربة حكم أو يُدفن مع نظام، ومع مرور العقود، تراكمت الأخطاء كما تراكمت التضحيات، حتى وصلت الأمة إلى لحظة مواجهة كبرى مع ذاتها، لحظة كشفت فيها الشعوب زيف الاستبداد وفساد الادعاء، وأسقطت الأقنعة التي حاولت طويلاً احتكار الاسم وتزوير المعنى...
في هذا المسار الطويل، كانت سورية شاهدةً وجزءاً من القصة، بما فيها من آلام وانكسارات، وبما حمله شعبها من أثمانٍ باهظة في سبيل الخلاص من نظامٍ أرهق البلاد والعباد، هناك، حيث امتزجت السياسة بالمأساة، أدرك كثيرون أن البعث، كفكرة، لا يمكن أن يُختزل في تجربةٍ واحدة، وأن ما جرى لم يكن إلا فصلاً من صراعٍ أكبر على روح الأمة واتجاهها...
واليوم، فيما تعيش المنطقة تحديات غير مسبوقة، من صراعاتٍ مفتوحة إلى تدخلاتٍ خارجية، ومن جراح فلسطين النازفة إلى التنافس على الثروات والمقدرات، تعود الأسئلة القديمة بثوبٍ جديد:
- من يحمي هذه الأمة؟..
- ومن يعيد لها توازنها؟..
- وهل يكفي الاتكاء على الخارج، أم أن الطريق يبدأ من الداخل، من وعيٍ جديد يعيد صياغة المشروع القومي بروحٍ معاصرة دون أن يتخلى عن جذوره؟..
في خضم هذه الأسئلة، تبرز الحاجة إلى استعادة المعنى الأول اقصد:
أن الوحدة ليست شعاراً، بل ضرورة، وأن الحرية ليست ترفاً، بل شرط وجود، وأن العدالة الاجتماعية ليست خياراً، بل أساس الاستقرار، تلك كانت ثلاثية البعث، يوم وُلد فكرةً، قبل أن يصبح سلطةً أو تجربة حكم...
ومن بين كل التحولات، تبقى اللحظات التي يتجدد فيها العهد هي الأصدق. لحظة يقف فيها من بقي مؤمناً بالفكرة ليقول:
لم تكن الرحلة عبثاً، ولم تكن التضحيات بلا معنى، وهنا، في هذه الذكرى التاسعة والسبعين، يتقدم الوجدان قبل الكلمات، ليحيّي كل من حمل الفكرة بإخلاص، ويستحضر كل من غاب جسداً وبقي أثراً، من القادة إلى المجهولين الذين لم تُكتب أسماؤهم لكنهم كانوا جزءاً من الحكاية.
وفي هذا السياق، يرد الاسم تلو الاسم، ليس بوصفهم شخصياتٍ تاريخية فقط، بل كرموزٍ لمرحلةٍ كاملة، من المؤسسين الأوائل، إلى من حملوا الراية في مراحل لاحقة، مروراً بتجارب الحكم في أكثر من قطر عربي، بما فيها العراق في عهد أحمد حسن البكر وصدام حسين، بكل ما لتلك التجارب وما عليها، كجزءٍ من تاريخٍ لا يمكن فهمه إلا بقراءته كاملاً، لا بانتقاء فصوله...
وفي خضم هذه الذاكرة الثقيلة، يطل الحاضر بما فيه من محاولات إعادة التنظيم وبناء الأطر، حيث تُذكر الجهود التي بُذلت لعقد المؤتمرات وإحياء العمل الحزبي...
لكن، في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن الأحزاب، مهما عظمت، ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة، وأن الأمة، بكل مكوناتها، هي الأصل، وهي البوصلة، وهي الحكم الأخير...
وفي هذا اليوم، لا تُكتب الكلمات فقط لاستعادة الماضي، بل لفتح نافذةٍ نحو ما يمكن أن يكون. نحو أمةٍ تعلّمت من أخطائها بقدر ما تعتز بتجاربها، وتدرك أن الطريق إلى المستقبل لا يُبنى بالحنين وحده، بل بالنقد، وبالشجاعة، وبالإيمان بأن ما لم يتحقق بالأمس، قد يصبح ممكناً غداً...
وفي الذكرى التاسعة والسبعين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، نتوجّه بأحرّ التهاني إلى جميع الرفاق البعثيين في الوطن العربي وفي أنحاء العالم،إلى كل من ما زال يرى في هذه الفكرة أملاً، وفي هذا التاريخ مسؤولية، راجين أن تكون هذه المناسبة محطةً للتأمل، والتجديد، واستعادة المعنى، ومواصلة السعي نحو أمةٍ عربيةٍ واحدة، حرة، كريمة، وقادرة على صنع مصيرها.
يتبع.