
حين يُستدعى الماضي في كل جدل... قراءة في انقسام الخطاب حول سورية:
هناك في المشهد السوري اليوم من لا يروق له أن تهدأ البلاد، لأن هدوءها يعني عمليًا انتقال مركز الثقل إلى منطق الدولة والمؤسسات، لا إلى منطق الاصطفاف والانفعال وإدارة الأزمات كأدوات نفوذ. لذلك، يُلاحظ في كثير من اللحظات أن أي حدث "لو كان جدلًا كلاميًا أو موقفًا سياسيًا عابرًا"يتحول بسرعة إلى مادة تعبئة واستنفار، وكأن المطلوب إبقاء البلد في حالة توتر دائم لا يتيح لها التقاط أنفاسها...
ما جرى أمس من ضجيج واسع حول تصريح أو موقف، لم يخرج عن هذا السياق، فقد تضخّم النقاش بشكل يفوق حجمه الحقيقي، وتحوّل إلى ساحة استقطاب حاد، وكأننا أمام حدث مفصلي، بينما في جوهره كان أقرب إلى أخذ ورد سياسي وإعلامي يمكن أن يُدار ضمن حدود الردود والبيانات والتوضيحات، لكن المشكلة ليست في الحدث ذاته، بل في الطريقة التي يُعاد بها إنتاجه داخل الوعي العام...
اللافت أن بعض الخطابات سارعت إلى استدعاء أحداث موجعة من الساحل أو الجنوب السوري، وكأن كل نقاش جديد يجب أن يُقرأ من خلال ذاكرة الصدامات السابقة، هذا النوع من الاستدعاء يخلط بين مستويات مختلفة من الوقائع :
- بين حالات كانت فيها البلاد أمام مواجهات مسلحة معقدة...
- وبين جدل سياسي أو إعلامي لا يحمل طبيعة تلك الأحداث ولا أدواتها... والنتيجة كانت:
إن الصورة العامة تُشوَّه، ويُدفع النقاش نحو حافة الانفعال بدل التحليل.
عموماً:
في التجارب التي مرت بها سورية خلال السنوات الماضية، كان واضحًا أن بعض المراحل لم تترك مجالًا كبيرًا للتدرج أو التريث، وأن الدولة حينها واجهت تهديدات مسلحة أُريد لها أن تأخذ البلاد إلى فوضى واسعة، في مثل تلك اللحظات، كانت لغة الحسم والرد المباشر جزءًا من منطق المواجهة، لا منطق النقاش السياسي، لكن خطورة الحاضر تكمن في محاولة إسقاط تلك اللحظات على كل خلاف أو جدل، حتى لو تغيّر السياق تمامًا...
وما يزيد التعقيد أن جزءًا من الخطاب العام بات يقوم على تصنيفات جاهزة، تُستخدم فيها توصيفات جماعية على أساس الموقف من السلطة أو من الأحداث، بدل مناقشة الفعل نفسه أو الفكرة نفسها، وهذا النوع من التعميم لا يخدم فهم الواقع، بل يعيد إنتاج الانقسام بصيغ جديدة، ويغلق الباب أمام أي مساحة مشتركة...
للعلم:
إن ما يتعلق بردود الفعل التي تلت الجدل الأخير، فقد أظهرت أن المشكلة ليست فقط في اختلاف الآراء، بل في سرعة الانتقال من الرأي إلى الاتهام، ومن التحليل إلى الاستنفار. وكأن هناك حاجة دائمة لتضخيم كل واقعة كي تبقى حالة التوتر قائمة، حتى لو كان الحدث لا يستدعي ذلك...
في النهاية:
سورية اليوم لا تحتمل إعادة تدوير الأزمات نفسها في كل مناسبة، لا لأن النقاش ممنوع، بل لأن تحويل كل نقاش إلى امتداد لصراعات الماضي يجعل الخروج من تلك الدائرة أكثر صعوبة، والبلد الذي دفع ثمنًا كبيرًا في سنواته الماضية، يحتاج إلى قدر من التمييز بين ما هو سياسي قابل للنقاش، وما هو أمني كان له سياقه الخاص، حتى لا يبقى كل شيء قابلًا لإعادة التفجير في الذاكرة قبل الواقع.