
حزب الله وإسرائيل بين الواقع العسكري والخيال السياسي:
مع تصاعد وتيرة الاشتباكات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، يتضح أن الحسابات السابقة عن قوة الحزب ومخزونه من الأسلحة كانت أقل دقة مما روج له الإعلام والسياسيون. التصورات القائلة بأن الحزب "تم تحجيمه" بعد سنوات من الضربات الدقيقة لم تكن تعكس الواقع على الأرض. فحتى بعد تراجع قدراته بشكل ملموس، ما زال يمتلك منظومة صواريخ قادرة على تهديد المدن الشمالية والإضرار بالبنية التحتية الإسرائيلية، ويواصل عناصره عملياتهم بتنسيق داخلي واضح، رغم فقدان قيادات كبيرة في الصفوف العليا.
الخبرة الإسرائيلية في الحروب السابقة، منذ اجتياح لبنان عام 1982، علمتها درساً مؤلماً: خوض صراعات دون هدف حقيقي لا يولّد سوى وهم الانتصار. الضربات المركزة، الاغتيالات المستهدفة، ووسائل الإعلام التي تصور نجاحات عسكرية باهرة، لا تكفي لضمان نصر استراتيجي. الواقع الحالي يُظهر أن الحرب ليست مسألة صواريخ وجبهات، بل إدارة قدرة الخصم على إعادة ترتيب صفوفه واستغلال أي ثغرة، حتى بعد تلقيه خسائر كبيرة.
أما الجانب اللبناني، فيشهد المشهد السياسي تغيّرات دقيقة. التهديدات الإسرائيلية للبنية التحتية، وليس مجرد حزب الله، تصب في صالح الحزب نفسه، الذي يُظهر أنه الضامن الوحيد للأمن القومي، متجاوزاً الرئيس والحكومة اللبنانية. هذا الواقع يعيد تعريف اللعبة على المستوى الداخلي، ويؤكد أن أي حل سياسي أو عسكري يجب أن يأخذ في الاعتبار مصالح جميع اللاعبين، وليس مجرد الهدف الإسرائيلي في "نزع السلاح".
على الجانب الآخر، يظل العامل الإيراني محورياً. حزب الله لم يعمل بمعزل عن طهران، وعلاقته الاستراتيجية معها لم تنقطع رغم الضربات الموجعة التي طاولت عناصر فيلق القدس داخل لبنان. إيران، التي واجهت ضربات متكررة، أثبتت قدرة على التماسك والاستمرار في دعم حلفائها، ما يجعل أي استراتيجية إسرائيلية بحاجة لتقدير دقيق لقدرة طهران على إعادة ترتيب أوراقها، سواء عسكرياً أو سياسياً.
الدرس الأهم هو أن إسرائيل، رغم الإنجازات العسكرية الملموسة، تواجه تحديات حقيقية في تحويل التفوق الميداني إلى نتائج استراتيجية دائمة. السيطرة على جنوب لبنان، إقامة منطقة عازلة فعالة، وتقليص قدرات حزب الله ليست أهدافاً يمكن تحقيقها بضربة واحدة أو حملة قصيرة المدى. بل تحتاج لتوازن دقيق بين القوة العسكرية والسياسة الإقليمية، وبين الضغط المباشر على الخصم واستغلال الفرص الدبلوماسية لتغيير قواعد اللعبة.
ختاماً، الحرب الحالية ليست مجرد مواجهة صاروخية أو ضربات جوية، بل اختبار لقدرة إسرائيل على قراءة الواقع، واستثمار قوّتها بشكل مستدام، وتحويل المكاسب الميدانية إلى واقع سياسي وآمن جديد. النصر ليس في الأرقام فقط، بل في القدرة على فرض واقع جديد يحمي المصالح ويحد من قدرة الخصوم على العودة بقوة.