
إلى الرئيس أحمد الشرع: ملاحظات من موقع القلق الوطني.
حين تُمسك بزمام دولة خرجت من حرب طويلة، فأنت لا تدير سلطة مستقرة، بل تُدير مرحلة إعادة تأسيس لبلد فقد الكثير من عناصر ثقته بنفسه. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن تكون القرارات صحيحة في مضمونها، بل يجب أن تكون مطمئنة في وجهتها.
أول ما يحتاجه السوريون اليوم ليس فقط الأمن أو الخدمات، بل وضوح الطريق السياسي. الناس تريد أن تعرف ببساطة: إلى أين نمضي؟ ومتى تنتهي الحالة الانتقالية؟ وعلى أي قاعدة سننتقل من إدارة مؤقتة إلى شرعية دائمة؟
من هنا، أرى أن الأهم في أي مشروع انتقالي هو الإعلان الواضح غير القابل للتأويل عن سقف المرحلة الانتقالية وزمنها، مع الالتزام الصارم بالانتقال إلى دستور دائم يُقر عبر استفتاء شعبي حر، لا يُصاغ تحت ضغط اللحظة ولا تحت منطق الغلبة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن يُقال بوضوح، لا تلميحًا، إن المرحلة الانتقالية ليست طريقًا للتمكين الشخصي أو لإعادة إنتاج السلطة، بل هي جسر مؤقت نحو انتخابات حقيقية، نيابية ورئاسية، تُبنى على دستور جديد، وتُدار بضمانات شفافة تمنع احتكار القرار أو توجيه النتائج.
وأقولها بصراحة سياسية مطلوبة في هذه المرحلة: إن إعلان عدم الترشح من قبل من يقود المرحلة الانتقالية، أو على الأقل تحييد موقعه عن التنافس المباشر، هو رسالة ثقة للمجتمع قبل أن يكون تنازلًا سياسيًا. لأنه يفصل بين إدارة الدولة وبين التنافس على السلطة، ويمنع اختلاط المؤقت بالدائم.
أنت اليوم لا تواجه فقط ملفات أمن واقتصاد، بل تواجه سؤال الشرعية المستقبلية للدولة نفسها. وهذه الشرعية لا تُبنى بالقوة ولا بالخطاب، بل بالثقة، والثقة لا تُمنح إلا حين يشعر الناس أن الطريق إلى الانتخابات مفتوح، واضح، ومحمي من أي إعادة إنتاج مغلقة للسلطة.
كما أن النص الدستوري المرتقب يجب ألا يكون مجرد وثيقة قانونية، بل عقدًا اجتماعيًا حقيقيًا يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويضع ضمانات واضحة لتداول السلطة، وفصل السلطات، وحياد المؤسسات السيادية عن أي تنافس سياسي.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مرحلة انتقالية ليس الفوضى، بل الغموض. الغموض في النوايا، في المدة، وفي المستقبل السياسي. لأن الغموض يُنتج الشك، والشك في المجتمعات الخارجة من الحرب يتحول سريعًا إلى خوف، والخوف يتحول إلى انقسام.
لهذا، فإن وضوح المسار الانتخابي والدستوري ليس تفصيلًا، بل هو أساس الاستقرار نفسه.
أما ما تبقى من ملفات—من عدالة انتقالية، وإصلاح مؤسسات، وإعادة بناء الاقتصاد—فهي جميعها ستكتسب معناها الحقيقي فقط حين يثق السوريون أن المرحلة الانتقالية ليست بوابة مغلقة، بل طريقًا مفتوحًا نحو دولة طبيعية تُدار بالقانون وتُحسم فيها السلطة بالصندوق لا بالتوازنات المؤقتة.
في النهاية، ليست قوة أي قيادة في قدرتها على السيطرة، بل في قدرتها على أن تُنهي دورها في الوقت الصحيح، وتترك خلفها نظامًا لا يحتاج إلى وصاية كي يستمر.