
إلغاء زيارة إسلام آباد:
حين تتحول المفاوضات إلى اختبار كسر إرادات؟!.
قرار دونالد ترامب بإلغاء زيارة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى إسلام آباد لم يكن مجرد تعديل في جدول دبلوماسي أو إلغاء رحلة طويلة لا جدوى منها، بل كان إعلانًا سياسيًا واضحًا بأن واشنطن انتقلت من منطق التفاوض المباشر إلى منطق الضغط المفتوح على إيران...
الزيارة كانت مقررة ضمن مسار غير مباشر لإحياء الحوار بين واشنطن وطهران عبر باكستان، بعد جولة سابقة لم تصل إلى اتفاق حاسم، لكن ترامب، في حديثه لفوكس نيوز، اختصر الأمر بعبارة تعكس فلسفته السياسية كاملة: (لا داعي لإرسال وفد يقطع آلاف الكيلومترات إذا لم يكن الطرف الآخر مستعدًا لتقديم شيء حقيقي)...
في جوهر الأزمة، لا يتعلق الأمر بإسلام آباد ولا حتى بشكل اللقاء، بل بطبيعة الصراع نفسه، إيران تريد رفع العقوبات أولًا، والإفراج عن أموالها المجمدة، وضمانات بعدم تكرار الانسحاب الأميركي من أي اتفاق جديد كما حدث بعد الاتفاق النووي السابق، وهي تصر على أن التخصيب النووي حق سيادي لا يمكن التنازل عنه بالكامل، مع استعدادها فقط لتخفيض النسب وتوسيع الرقابة الدولية، لا تفكيك البرنامج نفسه...
في المقابل، تريد واشنطن ما هو أبعد من مجرد ضبط البرنامج النووي؛ فهي تسعى إلى تقليص القدرة النووية الإيرانية الحساسة، وكبح النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، وضمان أمن الملاحة والطاقة في الخليج، خصوصًا مع التوتر المستمر حول مضيق هرمز والبحر الأحمر...
هنا تتجمد المفاوضات عند الجملة نفسها التي تختصر كل الأزمات الدولية: “قدّم أنت أولًا”...
إيران تقول:
ارفعوا العقوبات أولًا...
وأميركا تقول:
قدّموا التنازلات النووية أولًا...
وبين هذين الشرطين تقف المنطقة كلها على حافة انفجار...
ترامب لا يريد اتفاقًا شبيهًا باتفاق أوباما، بل يريد اتفاقًا يمكن تسويقه داخليًا باعتباره انتصارًا شخصيًا وهزيمة استراتيجية لطهران، أما القيادة الإيرانية فلا تستطيع سياسيًا ولا رمزيًا أن تظهر بمظهر من خضع تحت الضغط الأميركي، لأن ذلك سيكون مكلفًا داخليًا أكثر من العقوبات نفسها...
لذلك، فإن إلغاء الزيارة يكشف أن واشنطن باتت ترى أن الضغط الاقتصادي والعسكري أكثر فاعلية من الجلوس إلى طاولة لا تنتج سوى الوقت الضائع، ونحن هنا مع انتقال من دبلوماسية اللقاءات إلى دبلوماسية عض الأصابع...
الخطر الحقيقي هنا أن فشل التفاوض لا يعني بقاء الوضع كما هو، بل يفتح الباب أمام السيناريو الأكثر حساسية: الضربات التي تحدث عنها ترامب استهداف منشآت حساسة دون أن تسمح لأيران بالذهاب إلى حرب شاملة، وهي معادلة قد تبدو محسوبة على الورق، لكنها في الشرق الأوسط كثيرًا ما تتحول إلى حريق لا يمكن السيطرة عليه...
عموماً:
المسألة لم تعد:
- هل سيكون هناك اتفاق؟
بل أصبحت سؤالًا أكثر قسوة وواقعية: - من سينكسر أولًا؟