
إسرائيل بين محورين: قراءة في تحوّل الاستراتيجية الإسرائيلية 2026
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا عن مشروع تحالف جديد، وصفه بـ"السداسي"، يضم دولًا من آسيا وأوروبا ودولًا عربية لم يحددها، ويهدف، وفق رؤيته، إلى مواجهة ما وصفه بـ"المحور السني الراديكالي الناشئ". هذا الإعلان يعكس تحولًا مهمًا في الخطاب الاستراتيجي الإسرائيلي، إذ انتقل الاهتمام من التركيز التقليدي على التهديد الإيراني والمحور الشيعي، إلى تصوّر جديد يضع الدول السنية الكبرى في المنطقة في خانة التهديد المحتمل لإسرائيل.
هذا التوجّه الجديد يمكن فهمه في إطار محاولات تل أبيب إعادة هندسة علاقاتها الإقليمية، بحيث تصبح نقطة وصل بين مناطق استراتيجية تمتد من شرق المتوسط إلى جنوب آسيا، مستفيدة من التحولات في التجارة والطاقة والممرات الدولية. فإسرائيل، التي لطالما تبنّت استراتيجية "كسر الطوق العربي" عبر التحالف مع القوى غير العربية، يبدو أنها اليوم تطمح إلى تطوير هذا النموذج بما يتجاوز حدود الإقليم المباشر، لتصبح لاعبًا محوريًا في شبكة مصالح اقتصادية وجيوسياسية أكبر.
أما بالنسبة للدول المستهدفة ضمن ما يسمى "المحور السني الراديكالي"، فتركيا، مصر والسعودية تبرز كأولوية. تُرى أن أنقرة، بنفوذها المتنامي بعد سنوات الأزمة السورية، أصبحت محط قلق إسرائيلي، بينما تتزايد المخاوف تجاه القاهرة، التي تشهد تعزيز قدرات الجيش والسياسات الإقليمية النشطة، بما في ذلك التعاون مع تركيا. وفيما يخص الرياض، يرى مراقبون أن محاولات المملكة لعب دور الوسيط والداعم للحل الدبلوماسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد تصطدم بالمصالح الإسرائيلية، خصوصًا إذا ارتبطت هذه المبادرات بتعزيز النفوذ الإقليمي السعودي والتركي في آن واحد.
من جهة أخرى، يمكن القول إن التحرك الإسرائيلي ليس مجرد مسألة أمنية بحتة، بل يرتبط أيضًا بأبعاد اقتصادية واستراتيجية. إذ تسعى إسرائيل إلى استثمار موقعها الجغرافي لتصبح محورًا لوجستيًا بين آسيا وأوروبا، خاصة في ظل مبادرات الربط التجاري والطاقة الجديدة، مثل مشروع الممر الهندي–الأوروبي الذي يمكن أن يجعل تل أبيب مركزًا حيويًا لحركة البضائع والطاقة. وفي شرق المتوسط، يعكس التعاون مع اليونان وقبرص محاولة واضحة لإقامة شبكة طاقة متكاملة، تمنح إسرائيل دورًا أكبر في أسواق الغاز والنقل البحري.
ورغم الطموح الكبير لهذا المشروع، يظل نجاحه مرتبطًا بعوامل معقدة، أبرزها قدرة إسرائيل على الحفاظ على دعم الولايات المتحدة في مواجهة إيران، وضمان استقرار التحالفات الجديدة في مواجهة تقلبات المنطقة. كما يبرز السؤال حول مدى قدرة إسرائيل على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية الداخلية بينما تسعى لتوسيع نفوذها الخارجي.
في نهاية المطاف، يمكن القول إن إعلان "التحالف السداسي" يعكس رؤية إسرائيلية شاملة لإعادة ترتيب خريطة القوى في الشرق الأوسط، مع مزج بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. ومع ذلك، يبقى هذا التوجه محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا إذا ما تطورت العلاقات بين الدول الإقليمية التي يُنظر إليها على أنها خصوم محتملون، أو إذا أعاقت الضغوط الدولية طموحات تل أبيب في فرض هيمنتها. ويبدو أن التحالف الإسرائيلي المستقبلي سيعتمد أكثر على القدرة على التوازن بين المصالح الإقليمية والدولية، بدل الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.