
إيران بين تراكم القوة وردود الفعل الإقليمية: قراءة حادّة في مشروع ممتد أعاد تشكيل توازنات الخليج والمنطقة:
في فهم التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، لا يمكن التعامل مع الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، بل باعتبارها حلقات في مسار طويل من تراكم القوة وإعادة توزيع النفوذ. وفي قلب هذا المسار تقف إيران منذ 1979 باعتبارها الفاعل المركزي في مشروع إقليمي تجاوز حدود الدولة التقليدية، وامتد إلى محيطها العربي عبر أدوات سياسية وعسكرية وأمنية متراكمة.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية، تأسس خطاب سياسي يقوم على فكرة تصدير الثورة بوصفها جزءاً من الهوية، لا مجرد خيار خارجي. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا المفهوم من إطار أيديولوجي إلى بنية عملية أعادت تشكيل طبيعة العلاقات الإقليمية، عبر بناء شبكات نفوذ في أكثر من دولة عربية، سواء بشكل مباشر أو عبر قوى محلية وحلفاء ميدانيين.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التطور الكبير في القدرات الصاروخية والتقنيات العسكرية والطائرات المسيّرة عن هذا المسار الطويل. فهو لم يظهر كاستجابة ظرفية فقط، بل كجزء من رؤية استراتيجية تقوم على امتلاك أدوات تأثير تتجاوز الحدود الجغرافية الإيرانية، وتصل إلى عمق المنطقة.
ومع هذا التوسع، دخل الإقليم في سلسلة طويلة من التفاعلات الأمنية والسياسية التي لا يمكن قراءتها كأحداث معزولة. فمن توترات الثمانينيات في الخليج، إلى التفجيرات والعمليات الأمنية التي شهدتها دول عدة، إلى النزاع المزمن حول الجزر الإماراتية الثلاث التي تسيطر عليها إيران منذ 1971، تتشكل صورة صراع ممتد على النفوذ والسيادة.
وفي العراق بعد 2003، لعبت الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران دوراً محورياً في إعادة تشكيل الدولة وموازين القوة داخلها، بينما في اليمن تحوّل الحوثيون إلى أحد أبرز أذرع الصراع الإقليمي، مع تصاعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق السعودي في مراحل متعددة. وفي لبنان، بقي حزب الله أحد أهم أدوات النفوذ الإقليمي الإيراني، مع دور مباشر في معادلات الحرب والسلم داخل وخارج لبنان.
إلى جانب ذلك، تتكرر في المشهد ملفات أمنية في دول الخليج تتعلق بخلايا أو شبكات تم الكشف عنها أو تفكيكها في أكثر من مرحلة، ما يعكس — وفق هذا التحليل — نمطاً مستمراً من العمل خارج حدود الدولة، وليس مجرد حالات منفصلة.
هذه الصورة تطرح سؤالاً مركزياً: هل كانت هذه التطورات ردود أفعال متفرقة على بيئة إقليمية مضطربة، أم أنها جزء من مشروع إيراني طويل المدى أعاد تشكيل مفهوم القوة والنفوذ في المنطقة؟
من زاوية هذا التحليل، يبدو أن كثيراً من التحولات لم تكن منفصلة عن بعضها، بل مترابطة ضمن منطق واحد: توسيع النفوذ، ثم بناء أدوات حماية له، ثم تحويل هذا النفوذ إلى واقع سياسي وأمني في أكثر من ساحة عربية. وفي المقابل، جاءت ردود الفعل الإقليمية — خصوصاً في دول الخليج — كاستجابة مباشرة لهذا التمدد، عبر بناء تحالفات دولية وتطوير قدرات دفاعية متسارعة لمحاولة إعادة التوازن.
حتى في الصراع مع إسرائيل، لم يكن الاشتباك في الغالب مباشراً، بل عبر ساحات متعددة خارج الأراضي الإيرانية، ما يعزز نمط “الاشتباك غير المباشر” كأداة أساسية في إدارة الصراع الإقليمي.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز سردية “المظلومية التاريخية” في الخطاب الإيراني، والتي تُستخدم — وفق هذا الفهم النقدي — كإطار لتفسير العلاقة مع الغرب وإسرائيل ودول الجوار، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى غطاء سياسي يبرر التمدد الخارجي وتوسيع نطاق النفوذ.
أما ما يُعرف بمحور المقاومة، فيُطرح هنا ليس فقط كتحالف سياسي، بل كشبكة نفوذ إقليمي تعتمد على قوى محلية موزعة في أكثر من دولة. غير أن السؤال النقدي الذي يرافق هذا المفهوم يتعلق بمدى مساهمته في بناء استقرار حقيقي في تلك الدول، مقابل تركيزه على إدارة الصراع وتوسيع أدوات القوة العسكرية والأمنية.
في المقابل، تعيش دول الخليج حالة استجابة أمنية دائمة لهذا الواقع، بين تطوير منظومات دفاعية متقدمة، وإحباط محاولات اختراق أمني، والتعامل مع تهديدات غير مباشرة تظهر بين الحين والآخر في أكثر من ساحة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر حساسية:
هل كانت المنطقة أمام مشروع إيراني توسعي طويل المدى أعاد تشكيل الجغرافيا السياسية والأمنية في الإقليم؟ أم أن ما نراه هو نتيجة تفاعل معقد بين هذا التمدد وردود الفعل الإقليمية عليه؟
مهما كانت الإجابة، فإن ما يبدو واضحاً هو أن العلاقة بين الفعل ورد الفعل لم تعد قابلة للفصل بسهولة، وأن الإقليم دخل مرحلة أصبحت فيها القوة ذاتها تصنع ردودها، وردود الفعل تتحول بدورها إلى جزء من بنية الصراع الممتد.