إيران... مشروع صُنع للحرب أم دولة تبحث عن السلام؟

Salah Kirata • ٢٨‏/٧‏/٢٠٢٦

62215.png

إيران...
 مشروع صُنع للحرب أم دولة تبحث عن السلام؟:

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

إذا كانت الحروب تُقاس بنتائجها، فإن المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لم تستطع إخضاع الجمهورية الإسلامية أو انتزاع استسلامها، فقد بدا واضحًا أن إيران لم تدخل الحرب بوصفها دولة فوجئت بالعدوان، وإنما بوصفها نظامًا أعد نفسه، منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، لمواجهة طويلة مع محيطه الإقليمي والقوى الدولية...

لقد بُنيت العقيدة السياسية للجمهورية الإسلامية على مفهوم "الثورة المستمرة"، لا على مفهوم الدولة الوطنية التقليدية، ومنذ الأيام الأولى لعودة آية الله روح الله الخميني إلى طهران، لم يكن الحديث عن حدود إيران الجغرافية هو السائد، بل عن "تصدير الثورة"، وهو المبدأ الذي نص عليه الدستور الإيراني عمليًا عبر دعم ما تعتبره طهران "المستضعفين" خارج حدودها...

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس:     - لماذا صمدت إيران؟
بل: 
لماذا كانت تتوقع منذ البداية أنها ستحتاج إلى كل هذا الاستعداد العسكري والعقائدي؟..

لا توجد دولة تنفق عشرات السنين في بناء مدن صاروخية تحت الجبال، ومنشآت نووية محصنة في أعماق الأرض، وشبكات أنفاق، وقوات عقائدية مستقلة، وتشكيلات عسكرية عابرة للحدود، إلا إذا كانت تتوقع صدامًا طويلًا، أو كانت تعلم أن مشروعها السياسي سيصطدم حتمًا بالنظام الإقليمي والدولي...

لقد تحول الحرس الثوري، مع مرور الزمن، إلى أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية، فهو يملك نفوذًا واسعًا في القرارين الأمني والسياسي، وحضورًا اقتصاديًا كبيرًا، ويدير عبر "فيلق القدس" علاقات مع جماعات مسلحة خارج إيران، الأمر الذي جعل كثيرًا من الباحثين يعتبرونه لاعبًا محوريًا في رسم السياسة الإقليمية الإيرانية...

أما البرنامج النووي الإيراني، فلم يكن سبب القلق الدولي لأنه برنامج نووي فحسب، فدول كثيرة تمتلك برامج نووية سلمية، وإنما لأن إيران وصلت إلى مستويات عالية من تخصيب اليورانيوم، مع استمرار خلافاتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن الشفافية والوصول إلى بعض المواقع، وهو ما أبقى الشكوك قائمة لدى العديد من الدول بشأن الأهداف النهائية للبرنامج، وهذا يدلل أن إيران إنما تريد امتلاك ذخائر نووية 

ثم تأتي الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، فإذا كان الدفاع المشروع عن النفس حقًا تكفله المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، فإن امتلاك منظومات صاروخية قادرة على تجاوز آلاف الكيلومترات يثير سؤالًا منطقيًا:   - هل صُممت هذه الترسانة للدفاع عن الأراضي الإيرانية فقط، أم لامتلاك قدرة هجومية وردعية تتجاوز الحدود الوطنية؟..

والسؤال ذاته ينسحب على شبكة التنظيمات المسلحة المرتبطة بطهران:

ففي العراق ولبنان واليمن وسورية، تشكلت خلال العقود الماضية فصائل مسلحة تدين بالولاء السياسي أو العسكري لإيران، وتحصل على أشكال مختلفة من الدعم، وقد أدى ذلك إلى اتهامات دولية متكررة لطهران بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتقويض سيادة الحكومات الوطنية، وإطالة أمد النزاعات المسلحة.ظظ

ولا يمكن تجاهل أن كثيرًا من هذه التدخلات ارتبطت بتصاعد الاستقطاب المذهبي في المنطقة، الأمر الذي جعل الصراعات السياسية تتحول في حالات عديدة إلى صراعات ذات طابع طائفي، وهو تطور كانت له آثار مدمرة على النسيج الاجتماعي في أكثر من دولة عربية...

لقد كرر المسؤولون الإيرانيون أن ما يقومون به هو "دعم للمقاومة"، لكن القانون الدولي لا يعترف بحق أي دولة في إنشاء تشكيلات مسلحة تعمل خارج سيادة الدول الأخرى أو تمارس نشاطًا عسكريًا بمعزل عن مؤسساتها الشرعية...

إن احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، ليست شعارات سياسية، بل قواعد آمرة في ميثاق الأمم المتحدة تشكل أساس النظام الدولي الحديث...

وعندما تتكرر الاتهامات لدولة ما بانتهاك هذه المبادئ، وعندما تصبح علاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية موضع نزاع مستمر، وعندما تمتد أذرعها العسكرية إلى عدة دول، فمن الطبيعي أن تواجه عزلة وضغوطًا وعقوبات، وأن تتحول إلى محور توتر دائم في الإقليم...

قد نختلف في تقييم السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية تجاه إيران، وقد يرفض كثيرون استخدام القوة العسكرية ضدها، لكن ذلك لا يعفي طهران من مسؤولية مراجعة مشروعها الإقليمي...

فالسلام لا يُبنى بتكديس الصواريخ، ولا بإقامة الميليشيات، ولا بتحويل العقيدة إلى أداة لإدارة السياسة الخارجية، ولا باعتبار الصراع حالة دائمة...

إن الدولة التي تستعد للحرب نصف قرن، لا لأنها تتوقع عدوانًا عابرًا، بل لأنها تبني مشروعًا يصطدم باستمرار مع محيطه، لا تستطيع أن تقنع العالم بأنها ضحية دائمة...

وربما لهذا السبب تحديدًا، فإن السؤال الذي سيظل يلاحق المشروع الإيراني ليس:
-  لماذا حوربت إيران؟..
بل:
-  لماذا كانت، منذ اليوم الأول، تتصرف وكأن الحرب قدرٌ لا مفر منه؟..

لأن من يجعل المواجهة ركيزة في بناء دولته، لا ينبغي أن يندهش عندما تصبح المواجهة عنوانًا دائمًا لعلاقاته مع العالم.