
جذور الفكرة القومية وتحولات الوعي العربي بين الطموح والتحديات:
ينطلق هذا الطرح من رؤية تعتبر أن الحركة القومية العربية، كما تجسدت في إطار (حزب البعث العربي الاشتراكي)، لم تكن مجرد تنظيم سياسي تقليدي، بل محاولة فكرية شاملة لفهم أزمات الأمة العربية التاريخية والاجتماعية، والبحث عن حلول لها ضمن مشروع نهضوي يربط بين الهوية والعدالة والتقدم...
وفق هذه الرؤية، فإن الواقع العربي الحديث تشكل عبر تراكمات طويلة من التجزئة والهيمنة الخارجية، بدءاً من مرحلة الخضوع للسلطنة العثمانية لقرون ممتدة، ثم ما أعقب الحربين العالميتين من تقسيم ونفوذ استعماري أوروبي أعاد صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة، هذا السياق التاريخي أنتج حالة من الضعف والتشتت، استدعت ظهور مشاريع فكرية تسعى إلى استعادة التوازن وبناء نهضة داخلية...
وفي هذا الإطار، تطرحت الفكرة القومية بوصفها محاولة لإحياء ما هو أصيل في الثقافة العربية، لا باعتبارها خلقاً جديداً من العدم، بل باعتبارها إعادة إحياء لما تراكم عبر التاريخ من قيم حضارية وإنسانية، مع إزالة ما علق بها من تراجع أو انحراف عبر الزمن، ويُنظر إلى التراث العربي باعتباره عنصراً مركزياً في تشكيل الهوية الجامعة التي استطاعت في مراحل تاريخية سابقة أن توحد العرب وتمنحهم قوة حضارية مؤثرة...
كما استحضرت هذه الرؤية تجارب تاريخية مثل بدايات الإسلام التي أسهمت في توحيد الجزيرة العربية وتأسيس قوة حضارية كبرى، بعد مرحلة من التشتت القبلي والصراعات الداخلية، لتُقدم مثالاً على قدرة الفكرة الجامعة على إحداث تحول تاريخي واسع، لكن استلهام الفكر من فكرة لا يعني بحال من الأحوال التقوقع حولها، اقصد نظرة الحزب إلى شبه الجزيرة العربية والرسالة السماوية كانت لافتة وموحية للحزب، لكنها لم تشكل للحزب يوما هوية، فالعروبة في مطلقات الحزب النظرية مقدمة على كل الأديان وهذه مسلمة تاريخية ...
وهنا لا بد من أن اشير كذلك إلى أن بعض المفكرين العرب في النصف الأول من القرن العشرين، كانوا قد تأثروا بالتيارات الفكرية الحديثة في أوروبا، حاولوا المزج بين مفاهيم الحرية والتقدم الاجتماعي وبين فكرة الانتماء القومي، بهدف صياغة مشروع يوازن بين الإنسان والمجتمع والهوية، وقد انطلقت هذه التصورات من قناعة بأن النهضة لا تتحقق إلا عبر ثلاثية مترابطة: الوعي الثقافي، والتنظيم الفكري، والتغيير الاجتماعي الفعلي...
لقد أدت رؤية الحزب هذه لقناعة مفادها أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يبقى في نطاق التنظير أو الشعارات، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة واقعية تمس حياة الناس، من خلال تحسين ظروفهم المعيشية، وتوسيع المشاركة السياسية، وتقليل الفجوات الاجتماعية، وبناء نموذج تنموي يعكس تطلعات المجتمع...
كما استحضر في هذا السياق تجارب حكم في بعض الدول العربية التي حكمها الحزب، حيث يُنظر إليها بوصفها محاولات لتطبيق مشروع تنموي شامل في ظروف اقتصادية وسياسية معقدة، سعت إلى إعادة بناء الدولة وتطوير مؤسساتها رغم التحديات الداخلية والخارجية...
وفي المقابل، لنا أن نقر أن أن هذه التجارب واجهت ضغوطاً وصراعات إقليمية ودولية مستمرة، أدت إلى اضطرابات كبيرة انتهت في بعض الحالات إلى انهيارات سياسية وحروب واحتلالات، ما جعل مسار التنمية أكثر تعقيداً وأقل استقراراً...
عموماً:
الواقع العربي ما زال يعيش حالة من التفكك والصراعات الممتدة في أكثر من ساحة، مع استمرار الأزمات الإنسانية والسياسية في عدة مناطق، وهو ما يعكس – وفق هذا التصور – عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها المنطقة...
وفي ضوء ذلك، لابد إلى إعادة الاعتبار لفكرة التضامن العربي رغم ابتعدنا عنها علما انها لم طرحت في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد كانت بمثابة حالة إسعافية لفكرة القومية العربية التي ضربت في مقال فجاءت فكرة التضامن لايأسل ولا تراجعا، بل كان نتاج قراءة موضوعية للواقع العربي والمستجدات التي بدأت بكامب ديفيد ووصلت بنا كأمة عربية إلى الشرق الأوسط الجديد الذي تقدر عباءة الربيع العربي وكلكم يعرف ما كان...
ايها الرفاق:
هذا الطرح إلى أن استعادة القوة والكرامة في العالم العربي، وفق هذه الرؤية، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مشروع وحدوي شامل يعيد صياغة العلاقات بين الدول العربية على أسس من التعاون والتكامل، ويضع مصلحة الإنسان العربي في قلب أي مشروع سياسي أو اقتصادي مستقبلي.