--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

جي دي فانس: دبلوماسية على حافة النار أم اعتراف أمريكي بحدود القوة

Salah Kirata • ٧‏/٤‏/٢٠٢٦

20237.jpg

جي دي فانس: دبلوماسية على حافة النار أم اعتراف أمريكي بحدود القوة؟

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس أهمية الشخصيات السياسية بمواقعها الرسمية فحسب، بل بالدور الذي تُدفع إليه في التوقيت الحرج. ومن هذا المنظور، فإن حضور نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، في مسار تفاوضي معقّد يتصل بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، عبر الوساطة الباكستانية، لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً عابراً في إدارة أزمة، بل باعتباره مؤشراً على تحوّل أعمق في بنية التفكير الاستراتيجي الأمريكي.

فالولايات المتحدة، التي اعتادت تاريخياً إدارة صراعاتها من موقع القوة الواثقة، تبدو اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً: تفوق عسكري واضح، يقابله غموض متزايد في القدرة على الحسم. وفي هذا السياق، يصبح اللجوء إلى شخصية مثل فانس خطوة محسوبة، تعكس حاجة مزدوجة إلى الاستمرار في الضغط من جهة، وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً من جهة أخرى.

المشهد الأمريكي الراهن لا يخلو من التناقض، لكنه تناقض مُدار بعناية. فمن جهة، يستمر الخطاب التصعيدي الذي يلوّح بالقوة ويؤكد على ضرورة ردع إيران، ومن جهة أخرى، تتحرك قنوات تفاوضية هادئة تبحث عن مخرج سياسي يجنّب المنطقة انفجاراً واسعاً. هذا التوازي بين التصعيد والانفتاح لا يعكس ارتباكاً بقدر ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالضربات الأولى، مهما بلغت دقتها.

في قلب هذا التوازن يقف فانس، بوصفه نموذجاً لتيار أمريكي جديد لا ينتمي بالكامل إلى تقاليد “الصقور” ولا إلى خطاب “الحمائم”. إنه أقرب إلى ما يمكن وصفه بالواقعية الحذرة؛ تلك التي لا ترفض استخدام القوة، لكنها لا تثق بها كحل نهائي. هذه المقاربة لم تأتِ من فراغ، بل تشكّلت في ظل مراجعات عميقة لتجارب سابقة، وفي مقدمتها حرب العراق، التي كشفت حدود القدرة الأمريكية على إدارة ما بعد الصراع.

فانس، في هذا المعنى، لا ينظر إلى الحرب باعتبارها خياراً يجب تجنبه دائماً، ولا باعتبارها أداة كافية لفرض الإرادة السياسية. بل يرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الحروب التي تبدأ بوضوح استراتيجي وتنتهي بفوضى سياسية. لذلك، فإن مقاربته تقوم على استخدام القوة كوسيلة ضغط، لا كبديل عن الحلول السياسية، وعلى تقصير أمد الصراع بدلاً من الانخراط في مسارات مفتوحة بلا نهاية.

هذه الخلفية هي التي تفسر، إلى حد بعيد، سبب قبول أطراف مثل إيران بالتعامل غير المباشر مع شخصية كهذه. ففي عالم الأزمات، لا يكون العامل الحاسم هو الثقة، بل قابلية التوقع. وفانس، بخطابه الأقل أيديولوجية والأكثر ميلاً إلى البراغماتية، يقدّم نفسه كشخصية يمكن قراءة سلوكها، حتى وإن لم تكن موضع اتفاق. وهذا وحده كفيل بفتح قنوات كانت ستبقى مغلقة في ظل خطاب أكثر تشدداً.

غير أن أهمية دور فانس لا تقتصر على كونه وسيطاً مقبولاً نسبياً، بل تتجاوز ذلك إلى كونه تعبيراً عن تحوّل في طريقة إدارة الولايات المتحدة لأزماتها. فإرساله إلى هذا المسار التفاوضي يعكس، أولاً، اعترافاً ضمنياً بأن القوة العسكرية، رغم فعاليتها، لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية. ويكشف، ثانياً، عن وجود نقاش داخلي داخل المؤسسة الحاكمة حول حدود التصعيد ومخاطره. كما يشير، ثالثاً، إلى محاولة واعية لصياغة مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه، دون الظهور بمظهر المتراجع.

بهذا المعنى، يصبح فانس أكثر من مجرد مبعوث؛ إنه أداة توازن. داخلياً، يخفف من اندفاع القرار نحو خيارات قد تكون مكلفة على المدى الطويل. وخارجياً، يقدّم وجهاً أقل حدّة، يسمح بإعادة فتح قنوات الاتصال دون أن يبدو ذلك تنازلاً صريحاً. إنه، إذا جاز التعبير، لغة وسطى بين منطق القوة ومنطق التسوية.

لكن هذه المقاربة، على ما فيها من مرونة، تحمل في طياتها مفارقة أساسية: هل يمكن للدبلوماسية أن تنجح وهي تتحرك تحت ظل التهديد المستمر؟ وهل يمكن للتفاوض أن يثمر في ظل غياب ثقة حقيقية بين الأطراف؟ هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة، وهي تعكس جوهر المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم.

فالعالم الذي تشكّل بعد الحرب الباردة لم يعد قائماً بالشكل نفسه، والقدرة على فرض الإرادة بالقوة لم تعد مطلقة كما كانت. وفي المقابل، لم تتبلور بعد قواعد جديدة مستقرة لإدارة الصراعات. وبين هذا وذاك، تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى العمل ضمن منطقة رمادية، تستخدم فيها أدوات متناقضة في الظاهر، لكنها متكاملة في الهدف.

في النهاية، لا يمكن قراءة حضور جي دي فانس في هذا السياق إلا بوصفه علامة على مرحلة انتقالية. مرحلة تحاول فيها الولايات المتحدة إعادة تعريف مفهوم القوة ذاته: ليس باعتباره القدرة على الحسم، بل باعتباره القدرة على التحكم بمسار الصراع ومنع انزلاقه إلى ما لا يمكن السيطرة عليه.

وهنا تحديداً تكمن دلالة المشهد كله. فالقضية لم تعد ما إذا كانت واشنطن قادرة على الانتصار، بل ما إذا كانت قادرة على الخروج من الصراع دون أن تدفع كلفة تفوق مكاسبه. وفي هذا الامتحان الصعب، يظهر فانس ليس كصانع سلام تقليدي، ولا كمهندس حرب، بل كترجمة سياسية لقلق أمريكي عميق: قلق من حرب قد تبدأ بقرار… لكنها لا تنتهي بقرار.