--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

خمسة عشر شهرًا من وصول الإسلاميين لسدة الحكم في سورية، لحظة الحقيقة والمقارنة

Salah Kirata • ١٢‏/٣‏/٢٠٢٦

11190.png

خمسة عشر شهرًا من وصول الإسلاميين لسدة الحكم في سورية، لحظة الحقيقة والمقارنة:

كل حدث في سورية منذ انزلاق ما سمي بالثورة قبل خمسة عشر عامًا يحمل بصمات القوى الدولية والإقليمية، ويعكس حساباتها الدقيقة لمصلحة أو لمعادلة كلفة، وليس مجرد تحرك على الأرض، هذه الوقائع ليست اجتهادًا، بل هي ما يُرى بعين الواقع، وما تثبته الأرقام والتقارير الرسمية والإحصاءات الدولية. هذا المقال محاولة لتتبع المسار بعد خمسة عشر شهرًا من حكم الإسلاميين في سورية، ليس كحكم مسبق، بل كقراءة موضوعية لما آل إليه الواقع، مع تقديم الأرقام والمقارنات الواقعية التي تعزز الاستنتاج...
قلت واقول وسأقول الا أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، نعم اقول:
لم يكن وصول هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها إلى الحكم في سورية نتيجة انتصار عسكري خالص، كما حاول البعض تصويره خلال الأيام الأولى لما سمي عملية ردع العدوان، فالواقع العسكري الذي تعززه وقائع في كل مكان شهد صراعاً يفرض نفسه على كل تحليل: 
قوة تتحرك مكشوفة في العراء، دون غطاء جوي أو منظومة دفاع متكاملة، يمكن أن تُباد خلال دقائق إذا قررت قوى عسكرية متفوقة تحريك سلاحها فزوج واحد من القاذفات الروسية الموجودة في مطار حميميم كان قادرًا على تدمير أرتال كاملة خلال ساعات.
ولهذا يبدو الحديث عن حسم عسكري صريح غير متسق مع ماجرى من وقائع شكلت الواقع، فما جرى أقرب إلى نتيجة توافقات دولية معقدة، مصحوبة بمفاوضات سرية ومقايضات سياسية وأمنية، أكثر مما هو نتاج قوة ميدانية محضة...
*منطق الكلفة في السياسة الدولية:
مع مرور وقت الصراع الذي دار في سورية، تكوّنت لدى كثير من القوى الدولية والإقليمية قناعة مفادها أن كلفة الحفاظ على النظام السابق أصبحت أعلى من كلفة تغييره، هذه الحسابات ليست استثنائية، بل هي قاعدة ثابتة في سياسات الدول الكبرى، حيث يعاد النظر في الأزمات وفق معادلة الكلفة والعائد، لا وفق الشعارات أو الدعاية...
ومن هذه الزاوية يمكن فهم صعود قوى إسلامية ذات خلفية جهادية، كون وجود سلطة أيديولوجية حادة، مصنفة دوليًا على قوائم الإرهاب، يجعلها بطبيعتها أكثر قابلية للضغط والابتزاز السياسي، وأكثر حاجة للاعتراف الدولي، لذا يكون تمرير سياسات حساسة أو فرض ترتيبات أمنية يصبح أسهل بكثير مقارنة بسلطة مركزية مستقرة وذات مؤسسات واضحة...
* فرضية أخرى وهي اختبار الإسلاميين:
اجنح هنا الى تصور آخر أرى من خلاله أن بعض القوى الدولية والإقليمية رأت في صعود الإسلاميين اختبارًا عمليًا بقدرتهم على إدارة بلاد لا إدارة مسرح عمليات بما فيه من مفخخات واغتيالات واغارات وكمائن وحرب عصابات، إضافة لهذا ما هو معروف عن نهم التيارات الإسلامية وشغفها بالسلطة لظنها أن الله لها وحدها دون خلقه جميعا من غير الإسلاميين أو المتاسلمين، وتحت أي مسمى كان قد تم الرهان على أن تجربة الحكم نفسها ستكشف حدود قدرة هؤلاء على إدارة دولة معقدة مثل سورية.
بهذا الرهان، تصبح التجربة الحالية مؤشراً تاريخيًا على مدى قدرة هذه الجماعات على إدارة الدولة، وعلى هشاشة نموذجها في مواجهة تحديات الاقتصاد والبنية التحتية والمجتمع متعدد المكونات.
 ولعل مزيج الأسباب هو الواقع الأكثر ترجيحًا، إذ تتقاطع مصالح أميركية وإسرائيلية وإيرانية وروسية في هذه المرحلة، على نحو يجعل الصورة النهائية مركبة ومعقدة...
*خمسة عشر شهرًا لحظة المقارنة:
بعيدًا عن التحليلات السياسية، يبقى السؤال الأكثر حميمية لكل سوري وهو : 
- بعد خمسة عشر شهرًا من حكم الإسلاميين، كيف تغيرت حياتنا؟..
- وهل من حقنا كسوريين من كل المكونات والشرائح، أن تقارن بين الواقعين، بعيدا عن أي شعارات أو أحكام مسبقة، كون المقارنة ليست بين مثالين مثاليين، بل بين واقعين:
الأول:
 هو عهد عائلة الأسد عمليًا، الذي تأثر عمليا بغطاء حزب البعث العربي الاشتراكي نظريًا، بكل ما في هذه الحقبة مابدى على انه سلطوي، امتاز بقمع سياسي، لم يفرضه الواقع وهنا اشير إلى إحداث حماة عام ١٩٦٣ اي بعد وصول الحزب للسلطة بأشهر وقبل أن يعرفوا خيره بعد من شره، فقد رأوا في اشتراكيته علمانية ورأوا والعلمانية شيوعية ورأوا في الشيوعية الحادا وكفرا، ومنكرا لابد من تغييره فبدأوا بأيديهم وفق مافهموا من حديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
الثاني:
هو عهد سلطة إسلامية جهادية مصنفة دوليًا إرهابية، وفيه غياب شبه كامل لمفهوم الدولة كمؤسسات مستقرة؛ فلا مؤسسات مدنية قوية، ولا اقتصاد منظم، ولا سلطة مركزية قادرة على فرض نفسها على جميع الأراضي، بل تبدو الإدارة مشتتة، والقرارات متغيرة بحسب سلطة كل فصيل أو قائد، بهذا المعنى، الحكم الحالي أكثر هشاشة في إدارة الدولة مقارنة بالنظام السابق، رغم سلبياته، وهو ما يجعل المواطن السوري أمام تجربة مختلفة كليًا على صعيد الحياة اليومية والخدمات الأساسية والأمن والاستقرار.
* ما الذي تغير في حياة السوريين؟
قبل عام ٢٠١١ كان عدد سكان سورية يقارب اثنين وعشرين مليون نسمة وفق تقديرات المنظمات الدولية. اليوم، تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن ما يقارب نصف الشعب أصبح نازحًا أو لاجئًا داخل البلاد وخارجها. أكثر من ستة ملايين لاجئ خارج الحدود، ونحو سبعة ملايين نازح داخل الأراضي السورية.
ولعل السؤال الطبيعي الذي يطرحه كل مراقب وناقد وطني:
- لماذا لم يعد هؤلاء اللاجئون والنازحون إلى سورية حتى الآن؟. - ولماذا بقي ملايين السوريين في المخيمات وفي مناطق غير مجهزة، رغم مرور أكثر من عقد على اندلاع الأزمة؟.
 الإجابة ترتبط بغياب مؤسسات الدولة القادرة على إعادة الدمج والإعمار، وبـ هشاشة الإدارة الحالية، وغياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية، إضافة إلى الخوف من انعدام الأمن أو من التجاذبات المسلحة في العديد من المناطق، وهو ما يجعل العودة إلى الحياة الطبيعية صعبة للغاية. هذه الحقيقة تعكس مدى ضعف الدولة الحالية مقارنة بالعهد السابق، وتوضح كيف أصبح المواطن السوري رهينًا لتجربة حكم غير مستقرة، بعيدًا عن أي حماية حقيقية أو تنظيم واضح للحياة اليومية.
أما الاقتصاد السوري، الذي كان ناتجه المحلي الإجمالي يقارب ستين مليار دولار قبل الحرب، فقد تراجع إلى أقل من عشرين مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي. الليرة السورية فقدت معظم قيمتها، ومستويات الفقر تجاوزت تسعين في المائة من السكان بحسب تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
 هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشرات على حجم التدهور الذي أصاب الدولة والمجتمع، وتبرز لماذا بقي ملايين السوريين في أوضاع نزوح وتهجير حتى اليوم.
والآن:
جاء دور سؤال الدولة لا سؤال الشعارات:
فالتحدي الأساسي ليس للشعارات الدينية أو الأيديولوجية، بل سؤال الدولة نفسها وهو:
-هل يمكن لقوى تشكلت في بيئة أمنية وعسكرية مغلقة أن تتحول فجأة إلى مؤسسات حكم مدنية مستقرة؟.
- هل يمكنها إدارة اقتصاد معقد وبناء نظام قانوني موحد، والتعامل مع مجتمع متنوع طائفيًا وإثنيًا وثقافيًا؟
الجواب لا يزال محل اختبار، لكن هشاشة النظام الحالي، وانعدام مؤسسات الدولة، يجعل هذه المهمة شبه مستحيلة في المدى القصير، ويضع المواطن السوري أمام تجربة حياتية مختلفة تمامًا عن العهد السابق، رغم كل سلبياته. 
وفي نهاية المطاف، ليست القضية مجرد مفاضلة بين نظام سابق وسلطة حالية. القضية الأعمق هي حق السوريين في حياة كريمة ودولة مستقرة، ومن الطبيعي أن يتساءل المواطن السوري، بهدوء وبدون خوف: - أي نظام استطاع أن يوفر له الأمن والخبز والكرامة؟.
- وأي نظام أخفق في ذلك؟
المقارنة ليست خيانة، وليست مجرد حنين سياسي، بل أداة طبيعية لفهم التاريخ واتخاذ القرار للمستقبل.
فبعد خمسة عشر شهرًا من حكم الإسلاميين، يظهر السؤال بقوة في المجتمع السوري: 
-هل كانت تلك التحولات بداية لمرحلة جديدة في تاريخ سورية، أم مجرد فصل آخر في سلسلة تجارب لم تنجح بعد في بناء الدولة التي يستحقها السوريون؟