خنق الساحل ودمار الحصن: كيف تتحول الجغرافيا من حارس لإيران إلى نقطة اختناق لنظامها

Salah Kirata • ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦

59325.png


خنق الساحل ودمار الحصن: 
كيف تتحول الجغرافيا من حارس لإيران إلى نقطة اختناق لنظامها؟.

( حين تنقلب الجغرافيا على أصحابها)...
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في الاستراتيجية العسكرية، لا تكون الجغرافيا مجرد حدود مرسومة على الخرائط، بل هي أحد أهم عناصر القوة أو الضعف في حياة الدول. وقد أدركت الجمهورية الإسلامية منذ قيامها أن جبالها الممتدة غرباً وشمالاً، وصحاريها الواسعة شرقاً، تمنحها عمقاً دفاعياً يجعل أي غزو بري واسع مهمة شديدة الكلفة والتعقيد...

لكن الدول لا تُقاس بمنعتها البرية وحدها، وإنما أيضاً بمراكز ثقلها الاستراتيجية؛ أي بالمواقع التي تتجمع فيها مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية واللوجستية، وهنا تكمن المفارقة الإيرانية؛ فبينما تبدو الجبال حصناً منيعاً يصعّب أي اجتياح بري، يبقى الساحل الجنوبي الممتد على الخليج العربي وخليج عُمان نقطة الارتكاز الأكثر حساسية للدولة الإيرانية، إذ تمر عبره معظم صادرات النفط والغاز، وتتركز فيه الموانئ الرئيسية، والقواعد البحرية، وشبكات الإمداد والتجارة التي تغذي الاقتصاد الوطني، ولذلك، فإن أي ضغط عسكري أو حصار بحري يستهدف هذا الشريط الساحلي لا يعني مجرد تهديد جغرافي، بل يعني الاقتراب من القلب الاقتصادي ومركز الثقل الاستراتيجي للدولة، حيث يمكن أن تتحول الجغرافيا من عنصر حماية إلى أداة ضغط واختناق...

ومن هنا، فإن أي مواجهة كبرى لا تحتاج بالضرورة إلى عبور الجبال أو احتلال المدن، إذا أمكن تحويل الساحل إلى نقطة اختناق استراتيجية...

لقد تعلمت الولايات المتحدة، عبر تجاربها العسكرية المتراكمة، أن الحروب الحديثة لا تُحسم دائماً باحتلال الأرض، بل بإضعاف قدرة الخصم على إدارة الحرب نفسها...

ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في أي مواجهة واسعة مع إيران لا يقوم على اجتياح الأراضي الإيرانية، بل على ممارسة ضغط عسكري واقتصادي متدرج يستهدف مراكز الثقل الحيوية، حتى تصبح كلفة استمرار المواجهة أعلى من كلفة تقديم التنازلات السياسية...

وفي هذا السياق، يمكن تصور استراتيجية أمريكية تقوم على عدة محاور متكاملة:

* توجيه ضربات دقيقة إلى منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والبنية البحرية، بما يحد من قدرة القيادة الإيرانية على إدارة العمليات بصورة متماسكة...
* إضعاف القدرات البحرية غير التقليدية، ولا سيما الزوارق السريعة والمنشآت اللوجستية الساحلية، لتقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية في الخليج ومضيق هرمز...
* فرض ضغط متواصل على البنية الاقتصادية المرتبطة بتصدير الطاقة، بما يحول الأزمة العسكرية إلى أزمة داخلية مركبة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية...
* إدارة التصعيد ضمن سقف محسوب يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة يصعب التحكم بنتائجها...

وفي هذا المشهد، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر استعداداً للانخراط في العمليات العسكرية، انطلاقاً من اعتبارها أن تقليص القدرات العسكرية الإيرانية يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة، إلا أن القدرة على إدارة حرب طويلة ومتعددة الجبهات تبقى، في المقام الأول، بيد الولايات المتحدة بما تمتلكه من إمكانات بحرية وجوية واستخباراتية ولوجستية لا يضاهيها أي طرف آخر...

وهنا لابد من القول إن القوة العسكرية ليست رقماً ثابتاً، بل ترتبط باللحظة الاستراتيجية التي تُستخدم فيها، اقصد 
لو خاضت إيران مواجهة واسعة في ذروة تماسك منظومتها الإقليمية، حين كانت شبكات نفوذها تعمل بكامل طاقتها، وحلفاؤها يحتفظون بمعظم قدراتهم، لكانت خيارات الرد والمناورة أوسع بكثير، أما اليوم، فإن تراجع ذلك العمق الاستراتيجي يفتح الباب أمام تركيز الضغوط على مركز الثقل الإيراني نفسه، ولا سيما الساحل الجنوبي ومنشآت الطاقة والبنية البحرية، ومع انتقال الضغط إلى الداخل، تتعرض منظومات القيادة والسيطرة والقدرات العسكرية إلى إنهاك متزايد، فتتسع في المقابل دائرة الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، وهو ما قد يدفع، مع مرور الوقت، نحو البحث عن تسوية تفرضها موازين القوى الجديدة أكثر مما تفرضها نتائج معركة عسكرية فاصلة...

ومن هنا، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الصواريخ أو حجم القوات، بل بقدرة إيران على توزيع كلفة الحرب على خصومها كما كانت تفعل في السابق...

( فكلما تقلصت هذه القدرة، ازداد تركيز الضغوط على الداخل الإيراني نفسه)...

من منظور استراتيجي، لا يبدو أن الولايات المتحدة معنية بتفكيك الدولة الإيرانية أو إسقاط مؤسساتها بالكامل، لأن انهيار دولة بحجم إيران قد يفتح أبواب فوضى يصعب احتواؤها، وتمتد آثارها إلى الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز...

والأقرب إلى المنطق الاستراتيجي هو السعي إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام نفسه، عبر تقليص نفوذ المؤسسات العسكرية والعقائدية التي تدير المشروع الإقليمي، مع الإبقاء على مؤسسات الدولة التقليدية القادرة على حفظ النظام ومنع الانهيار الشامل...

فالسياسة الكبرى لا تستهدف دائماً إسقاط الخصوم، بل كثيراً ما تسعى إلى تغيير سلوكهم وإعادة رسم حدود نفوذهم...

باختصار وفق رؤية استراتيجية:
لقد تجاوزت الحروب الحديثة مرحلة احتلال العواصم ورفع الأعلام فوق القصور، وأصبحت المعركة الحقيقية تدور حول السيطرة على مراكز الثقل، وتعطيل الاقتصاد، وإرباك منظومات القيادة والسيطرة، واستنزاف الإرادة السياسية حتى يصبح التغيير نتيجة طبيعية لتراكم الضغوط...

وفي هذا الإطار، قد لا تكون الجبال الإيرانية هي ساحة الحسم، بل الساحل الجنوبي، حيث يلتقي الاقتصاد بالأمن، وحيث يمكن للجغرافيا التي طالما اعتُبرت مصدر قوة أن تتحول، في ظروف استراتيجية معينة، إلى نقطة الاختناق الأكثر حساسية...
لذا لابد من التأكيد:
إنها ليست حرب احتلال... بل حرب مراكز ثقل، تتقدم فيها الولايات المتحدة باعتبارها القوة العسكرية القادرة على إدارة هذا النوع من الصراع، بينما تقف إسرائيل في موقع الشريك الأكثر اندفاعاً للمشاركة فيه، في حين يبقى مستقبل المواجهة مرهوناً بقدرة كل طرف على تحمّل كلفة الاستنزاف أكثر من قدرته على تحقيق نصر عسكري تقليدي.