
خطبة الجمعة الموحدة في سورية، خطوة غير مسبوقة وتحذيرات من تداعياتها العميقة على المجتمع والدين :
تستعد وزارة الأوقاف السورية لفرض خطبة جمعة موحدة على جميع مساجد البلاد، في خطوة تعتبر سابقة تاريخية لم تشهدها سوريا في تاريخها الحديث، سواء في عهد الأسد الأب أو الابن، أو حتى خلال الانتداب الفرنسي، فبحسب مصادر مطلعة، فإن هذه الخطة تُدرس منذ نحو شهرين داخل أروقة الوزارة، تحت شعار "وحدة الخطاب الإسلامي"، بهدف توحيد الخطاب الديني وتقنينه بشكل كامل على مستوى جميع المساجد السورية...
المدونة الجديدة، التي أعلن عنها وزير الأوقاف في ١ع شباط الجاري بحضور الرئيس الشرع، تُلزم كافة خطباء المساجد والعاملين في الشأن الديني بالالتزام الصارم ببنودها، وتشمل العقوبات التنبيه أولاً، ثم العزل والطرد والمحاسبة أمام الوزير، وصولاً إلى الإحالة للجهات المختصة، استنادًا إلى قانون وزارة الأوقاف رقم ٣١ لعام ٢٠١٨ الذي وضعه الوزير السابق محمد عبد الستار السيد ويظل نافذًا بموجب الإعلان الدستوري.
وتشير المعلومات إلى أن مدونة "وحدة الخطاب الإسلامي" ليست مجرد وثيقة توجيهية، بل ستكون التمهيد العملي لفرض خطبة الجمعة الموحدة، وسيقوم وزير الأوقاف بإرسال عناوين الخطب وخطوطها العريضة إلى مديريات الأوقاف في المحافظات، لتعميمها على كافة الخطباء والتقيد بها حرفياً...
من أبرز البنود المثيرة للجدل :
- منع انتقاد ولي أمر المسلمين أو توجيه النصيحة له علنًا على المنابر بينما يسمح للخطيب بالدعاء له بالاسم الكامل وطلب التوفيق له وللصحبة الصالحة التي تحثه على الخير. كما توجه المدونة الخطباء إلى حث المصلين على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر، أي في جميع الأحوال والظروف، هذه الخطوة تأتي بعد أيام قليلة من إصدار مدونة جديدة من وزارة الإعلام، ما أثار مخاوف جدية حول توجه السلطة الجديدة نحو فرض أحادية الكلمة والرؤية والتوجه، وقمع أي رأي مخالف تحت شعار "وحدة الكلمة والصف". وهي تشكل مؤشرًا على رغبة السلطة في السيطرة على الخطاب الديني والسياسي على حد سواء، وضمان توافقه الكامل مع أهدافها ومصالحها...
⚠️ التداعيات الاجتماعية والدينية والسياسية المحتملة :
إذا ما تأكدت صحة هذه الخطة، فإن آثارها على المجتمع السوري يمكن أن تكون بالغة الخطورة، وتشمل ما يلي :
- تحويل المنبر الديني إلى أداة سياسية...
- المنبر الذي كان يفترض أن يكون فضاءً للتوجيه الروحي والنصيحة المجتمعية سيتحول إلى أداة لتكريس الولاء للسلطة، مما يفرغ الخطبة من قيمها الروحية والاجتماعية...
- قمع حرية التعبير الديني والفكري
أي اختلاف في الرأي أو نقد لممارسات السلطة سيعرض الخطيب للعقاب، ما يرسخ ثقافة الخوف والرقابة الذاتية، ويقوض قدرة الدين على تقديم النقد البنّاء والإرشاد الأخلاقي...
- تقليص مساحة النقاش المجتمعي والمساءلة بفرض أحادية الخطاب الديني، يصبح من الصعب على المجتمع المدني مناقشة قضايا الدين والسياسة بحرية، ما يزيد من فجوة الثقة بين الشعب والسلطة ويضعف الرقابة الشعبية على السلطة...
- تمهيد لبناء ديكتاتورية دينية فرض خطبة موحدة وخطاب مركزي يمثل خطوة نحو مركزية كاملة للوعي الديني والاجتماعي، وتحويل الدين إلى أداة للسيطرة بدل أن يكون مرشدًا أخلاقيًا مستقلاً...
- خلق جيش من "الخطباء الروبوتيين"عندما يصبح الالتزام بالنصوص الموحدة إلزاميًا، يتحول الخطيب إلى مجرد ناقل للنصوص، بلا قدرة على التفكير أو النقد أو التفسير، ما يهدد التوازن المجتمعي على المدى الطويل ويؤدي إلى فقدان الدين لمرونته وقدرته على التفاعل مع الواقع الاجتماعي...
- خطر زعزعة ثقة المواطنين بالمؤسسات الدينية من خلال فرض خطبة موحدة على جميع المساجد قد يؤدي إلى شعور المواطنين بأن المساجد صارت أدوات للسلطة، وليس فضاءات للروحانية والتربية، مما قد يقلل من حضور الناس للمجالس الدينية ويضعف الدور المجتمعي للمساجد...
🔍 خاتمة
حتى لو كانت النية المعلنة هي حماية الوحدة الوطنية أو تعزيز الاستقرار، فإن النتيجة العملية لمثل هذه السياسة قد تكون معاكسة تمامًا، ففرض أحادية الخطاب الديني يخلق الخضوع بدل الحوار، ويزرع الخوف بدل النصيحة، ويقوض الحرية الفكرية والدينية، ويترك أثرًا طويل المدى على المجتمع السوري كله...
يبقى السؤال الأكبر :
- هل يمكن لأي إدارة أن تحقق الاستقرار الحقيقي بفرض الصوت الواحد على المصلين والخطباء، أم أن الطريق نحو الوحدة الحقيقية يمر عبر التعددية، الحوار، والمساءلة المجتمعية؟.