
كلما اشتدّ العداء، ابتعدت فرصة التوافق :
في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقاس قوة المجتمعات بحدة الشعارات، بل بقدرتها على التقاط اللحظة التاريخية، واحتواء التناقضات، وتجاوز نزعات الاستئصال والانقسام، غير أن ما نراه اليوم من بعض الخطابات، لا سيما تلك الصادرة عن جماعة أحمدنا ذات الطابع العنصري، يكشف عن إصرار على تعميق الشرخ بين “نظام الأمر الواقع” وبين شريحة وطنية واسعة تتكوّن من مختلف المكونات الاجتماعية، وكأن المطلوب هو إعادة إنتاج العداء لا تجاوزه...
إن هذه المقاربة لا تقرّب أحدًا من أي مشروع وطني جامع، بل على العكس تمامًا، تدفع الجميع خطوة إلى الخلف، فكلما تمّ تأجيج خطاب الكراهية، وتصعيد لغة الإقصاء، وتعميم الأحكام على طيف واسع من الناس، كلما ابتعدنا أكثر عن حكومة الامر الواقع، التي يبدو أنها لن تكون قادرة على استيعاب الجميع تحت مظلة واحدة على المستوى المنظور فليس لمن آمن بأن كتابه فيه كل الصدفية وأنه لابأتيه الزور من أي من الاتجاهات، ومن أعتقد أن رسوله هو خاتم الانبياء والمرسلين، ومن استقر في قناعاته أنه من خير أمة يستحيل أن لا يحمل في ذاته معاني الاستعلاء وروح الخصوصية مما يقتضي ظهور رغبة التميز والتملك
القضية، في جوهرها، ليست معقّدة كما يحاول البعض تصويرها. هي أقرب ما تكون إلى قانون بديهي يعرفه الجميع: “لكل فعل رد فعل يعاكسه في الاتجاه ويوازيه في القوة”.
فكل تصعيد في الخطاب يولّد تصعيدًا مضادًا، وكل استعلاء يُقابَل بتصلّب، وكل محاولة لإلغاء الآخر تُقابل برفض أعمق وأشد...
من يراهن على فرض شروطه عبر إثارة الأحقاد، لا يبني دولة، بل يؤسس لمعادلات صراع طويلة الأمد، ومن يعتقد أن الإقصاء طريقٌ إلى الاستقرار، فهو يتجاهل دروس التاريخ التي أثبتت أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُصنع بالتفاهم...
إن المجتمع، بطبيعته، لا يقبل أن يُختزل في لون واحد أو مكوّن واحد، وعندما تُدفع شرائح واسعة إلى زاوية الدفاع عن الذات، فإنها لن تنخرط في مشروع سياسي، بل ستتمترس خلف هويتها، وستتعامل مع أي سلطة محتملة باعتبارها تهديدًا، لا شريكًا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، إذ ليس في الخلاف بحد ذاته، بل في طريقة إدارة هذا الخلاف، فحين يُدار بعقلية الإلغاء، يتحول إلى صراع وجود. وحين يُدار بعقلية الشراكة، يصبح فرصة لبناء عقد اجتماعي جديد...
إن الرهان على تصعيد العداء ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو رهان خاسر من البداية، فكل خطوة في هذا الاتجاه تُبعدنا أكثر عن أي صيغة توافقية، وتقلّص هامش المناورة أمام أي مشروع انتقالي جامع. وفي المقابل، فإن التهدئة، وفتح قنوات الحوار، والاعتراف بالتعدد، ليست تنازلات، بل شروط أساسية لأي مسار سياسي مستقر...
وفي النهاية، لا يمكن لأي مشروع أن ينجح فوق أنقاض مجتمع ممزق، فإما أن نختار طريق الشراكة والتفاهم، أو نستمر في دوامة الفعل ورد الفعل، حيث لا منتصر، ولا مستقبل، ولا استقرار.