
كيف نقرأ ماتم التوصل إليه من وقف لإطلاق النار لمدة ١٥ يوم بين الامريكان وايران؟.
دعني أبدأ من النقطة الأهم: ما حدث ليس اتفاق سلام، بل هدنة اضطرارية بين طرفين وصلا إلى قناعة مشتركة بأن كلفة الحرب الشاملة أصبحت أعلى من كلفة التراجع المؤقت.
نحن أمام وقف إطلاق نار لمدة خمسة عشر يومًا، برعاية باكستانية، في ما يمكن وصفه بمحاولة لإعادة ضبط الصراع لا إنهائه. هذه الهدنة تعكس توازن ردع أكثر مما تعكس انتصارًا لأي طرف.
إيران، من جهتها، دخلت هذه الهدنة وهي تحرص على تقديم نفسها كطرف ندّي، وليس كطرف تحت الضغط. رفعت سقف مطالبها بشكل واضح: رفع كامل للعقوبات، تعويضات، وضمانات بعدم تكرار الهجمات، بل وطرحت بشكل غير مباشر مسألة الوجود الأمريكي في المنطقة. الأهم أنها لوّحت بورقتها الأقوى، مضيق هرمز، باعتباره نقطة ضغط استراتيجية على الاقتصاد العالمي.
في المقابل، الولايات المتحدة ومعها إسرائيل حققت هدفًا بالغ الأهمية: منع الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة كانت ستفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. كما نجحت في الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وأعادت وضع الملف النووي الإيراني في صلب أي تسوية قادمة، إلى جانب توجيه ضربات تحمل طابعًا ردعيًا.
لكن، رغم كل ذلك، لا يمكن الحديث عن منتصر. ما نشهده هو توازن دقيق: إيران تملك أدوات تعطيل مؤلمة، والولايات المتحدة تملك أدوات تفوق عسكري واستراتيجي. هذا التوازن هو الذي فرض الهدنة.
السؤال الآن: ماذا بعد؟
نحن أمام ثلاثة سيناريوهات. الأول، وهو الأرجح، التوصل إلى اتفاق مرحلي أوسع يخفف العقوبات مقابل قيود على البرنامج النووي وترتيبات أمنية في الخليج. الثاني، فشل المفاوضات، ما يعني عودة سريعة وربما أعنف للتصعيد. أما الثالث، وهو الأقل احتمالًا، فهو صفقة كبرى تعيد رسم التوازنات في المنطقة بشكل جذري.
الخلاصة ببساطة: هذه ليست نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة منها، تُخاض فيها المعركة بأدوات السياسة بدل الصواريخ. والرهان الحقيقي خلال الأيام الخمسة عشر القادمة هو: هل يستطيع الطرفان تحويل توازن الردع إلى تسوية، أم أننا أمام هدنة تؤجل انفجارًا أكبر؟