
(لا تجعلوا الحقد محكمة… ولا الفشل مشنقة لكرامات الناس):
في الأزمنة المضطربة تختلط الأصوات، ويعلو ضجيج الكراهية فوق صوت العقل، ويتحوّل بعض الناس فجأة إلى قضاة وجلادين ومحقّقين في آنٍ معًا، يوزّعون التهم على البشر كما توزّع المنشورات الرخيصة على قارعة الطريق، غير آبهين بسمعة إنسان، ولا بتاريخ عائلة، ولا بكرامة مجتمع كامل...
- اتقوا الله في الناس:
فكرامات البشر ليست ساحة لتصفية الأحقاد، وليست مداسًا لأشباه البشر من الحاقدين وأصحاب الخطابات السوداء الذين وجدوا في وسائل التواصل الاجتماعي فرصةً للانتقام من كل ناجح، ولكل من امتلك يومًا مكانة أو احترامًا أو وظيفة أو حضورًا...
للعلم:
ليس كل سوري نجح في حياته الوظيفية، أو تقلّد منصبًا رسميًا، أو ارتقى الى رتبة عالية في الجيش والقوات المسلحة، صار مجرم حرب...
- هذه جريمة أخلاقية قبل أن تكون جريمة قانونية :
وليس من العدالة ولا من العقل أن تُختصر حياة البشر بمنشور حاقد أو تسجيل مرتجل أو تعليق كتبه شخص مجهول الهوية، تغذّيه الضغائن وثقافة الغلبة والانهيار الأخلاقي...
من المؤلم حقًا أن نرى أسماء شخصيات خدمت في مؤسسات الدولة أو نجحت في مواقعها تُسحب اليوم إلى منصات التشهير والسحل المعنوي، على أيدي أناس كان بعضهم بالأمس يتمنى أن يكون قريبًا منهم، أو يعمل في مكاتبهم، أو يحظى بمصافحتهم، فإذا تبدلت الظروف انقلب الإعجاب القديم إلى حقد أعمى، وتحولت العقد الشخصية إلى حملات تخوين وإدانة جماعية...
لتعرفوا:
أن النجاح ليس جريمة :
والتفوق العلمي أو الإداري أو الوظيفي لا يجعل الإنسان تلقائيًا مجرمًا...
كما أن الفشل الشخصي لا يمنح أحدًا حق التحول إلى ماكينة كراهية تبث السموم في المجتمع وتقتات على تشويه الآخرين...
حتى تاريخ ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤، كان في سورية مئات آلاف الموظفين والمسؤولين والعاملين في مؤسسات الدولة، من أصغر موظف حتى أعلى المناصب، يعملون ضمن تراتبية وظيفية وإدارية معروفة في كل دول العالم...
- فهل يُعقل أن يتحول كل هؤلاء فجأة إلى مجرمين فقط لأنهم شغلوا وظائفهم في مرحلة سياسية معينة؟
- أي منطق هذا؟..
- وأي خراب أخلاقي يراد لهذا البلد؟..
إن توصيف أي إنسان بأنه “مجرم حرب” ليس منشورًا عابرًا، ولا شتيمة إلكترونية، بل حكم بالغ الخطورة، لا يملكه إلا القضاء المختص، عبر النيابات العامة، وقضاة التحقيق، والمحاكم، وسلسلة التقاضي الكاملة من الاستئناف إلى النقض، وفق الأدلة والقانون والعدالة، لا وفق الرغبات الشخصية والانفعالات السوداء...
لكن الأخطر من ذلك كله، أن كثيرين ممن يمارسون اليوم هذا التحريض الأرعن لا يدركون أنهم يفتحون بابًا سيأكل الجميع لاحقًا...
لذا اقول لكم كناصح أن احفظوا خط الرجعة، فلن تكون سورية لأحد ليوم القيامة سورية كانت وستبقى لكل أهلها ومن كل المكونات والشرائح الدينية والطائفية والعرقية والاثنية...
-ألا تخشون أن يأتي يوم تصبحون فيه أنتم أنفسكم موضع الاتهام فقط لأنكم موظفون في ظل السلطة الحالية؟
- ألا تفهمون أن ثقافة الانتقام حين تبدأ لا تتوقف عند أحد، وأن من يصفق اليوم لمحاكم التفتيش الإلكترونية قد يكون غدًا أول ضحاياها؟..
لقد بلغ الانحدار ببعض الصفحات أن تنشر أسماء أناس ماتوا منذ سنوات، وتدّعي أنه “ألقي القبض عليهم”، فقط لأن الحقد أعمى بصيرتها.
بالأمس فقط نُشر اسم رجل عرفه الناس محترمًا ناجحًا، وكان بالنسبة لي صديقًا عزيزًا ومن طلابي الذين أفخر بهم، وزُعم أنه اعتُقل يوم امس ونسب له سجل يعدمه عشر مرات، بينما كنت شخصيًا قد قدمت التعازي بوفاته لأهله قبل أكثر من عامين من الان.
- أي سقوط هذا؟..
- وأي استهتار بعقول الناس ومشاعر ذوي الموتى؟..
واليوم تُستهدف شخصية أخرى أعرفها كما أعرف نفسي، فقط لأنه كان يمشي قرب المحافظ في مناسبة رسمية، فيُرمى فورًا بتهمة “مجرم حرب” وكأن البلاد تحولت إلى غابة، وكأن الشرف والسمعة والكرامة أصبحت أوراقًا مباحة للحرق الجماعي...
كفى:
-كفى ليالي سوداء يختبئ فيها الفاشلون خلف الشاشات ليقتاتوا على سمعة الآخرين...
- كفى تحويل الحقد إلى ثقافة عامة...
- كفى تعليق الإخفاقات الشخصية على نجاح الناس...
- إن الأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تستقر بالتشهير، ولا تُشفى بالانتقام الجماعي...
- والبلاد التي تتحول فيها وسائل التواصل إلى ساحات اغتيال معنوي، وتُستباح فيها الأسماء والكرامات دون قانون أو أخلاق، هي بلاد تسير بوعي أو بغير وعي نحو التفكك والانهيار الاجتماعي الكامل...
- وحين يصبح التشهير بديلاً عن العدالة، والحقد بديلاً عن الحقيقة، فإن الجميع سيخسرون، حتى أولئك الذين يظنون أنفسهم اليوم منتصرين...
فلنتقِ الله في الناس…
ولنتذكر دائمًا أن الكلمة الظالمة قد تقتل إنسانًا حيًا، وقد تقتل وطنًا بأكمله.