--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

لا تكن عبداً لأحد.

Salah Kirata • ١٩‏/٤‏/٢٠٢٦

22593.png

لا تكن عبداً لأحد:

أخطر أشكال العبودية ليست تلك التي تُفرض بالسلاسل، بل تلك التي تدخل إلى الإنسان بهدوء حتى يظنها جزءًا من طبيعته. العبودية الحقيقية أن تعيش عمرًا كاملًا وأنت تردد أفكارًا ليست أفكارك، وتخاف مخاوف لم تخترها، وتسير في طريق لم تسأل يومًا إن كان طريقك أصلًا.

لهذا، فإن القضية الأولى لأي شعب يريد أن ينهض، ولأي إنسان يريد أن يحيا بكرامة، تبدأ من هذه العبارة البسيطة والحاسمة: ألا نكون عبيدًا عند أحد، وألا نكون أسيادًا على أحد.

هذه ليست جملة مثالية للاستهلاك العاطفي، بل مشروع حياة كامل، وفلسفة وجود، وموقف أخلاقي وسياسي وإنساني في آن واحد. الحرية هنا ليست شعارًا يرفع في الساحات، بل عبء ثقيل لا يحمله إلا قلب ثابت، وعقل يقظ، ونَفَس طويل.

أن تبحث عن الحرية وسط هذا العالم يشبه أن تمشي في شارع مزدحم، الجميع يحاول أن يوجهك قليلًا. الأسرة تريد لك شكلًا معينًا للحياة، المجتمع يرسم لك حدود المقبول، السلطة تحدد لك مساحة الكلام، الأصدقاء يحبون النسخة المألوفة منك، والمؤسسات تصنع لك تعريفًا جاهزًا لما يجب أن تكون عليه.

شيئًا فشيئًا، تتحول هذه التوجيهات إلى طبقات داخلية متراكمة. لا تأتي دفعة واحدة، بل تتسرب بهدوء، حتى تصبح جزءًا من صوتك الداخلي. عندها تقع الخدعة الكبرى: تظن أن هذا الصوت هو أنت، بينما هو في الحقيقة خليط من أصوات كثيرة مرت عليك وتركت أثرها فيك.

السلطة لا تظهر دائمًا في صورتها الفجة. ليست دائمًا دبابة في الشارع أو سجنًا مفتوحًا أو رجل أمن يراقبك. أحيانًا تكون السلطة أكثر ذكاءً من ذلك؛ تأتيك في شكل خوف صغير، في شكل رغبة دائمة في القبول، في شكل قلق مستمر من الخروج عن الصف، في شكل رقابة داخلية تجعلك تعدل نفسك قبل أن يطلب منك أحد ذلك.

هنا تتحقق أخطر أنواع السيطرة: أن تصبح أنت السجّان والسجين في الوقت نفسه.

تحدث نعوم تشومسكي عن هذه الفكرة بوضوح حين أشار إلى أن التحكم لا يحتاج دائمًا إلى قمع مباشر، بل يكفي أن يتم تشكيل وعي الإنسان نفسه، أن يعرف مسبقًا ما يجب أن يقوله وما يجب أن يخفيه، وما هو المقبول وما هو المرفوض، فيبدأ هو بحراسة نفسه بنفسه، ويمنع أفكاره قبل أن تولد.

والمجتمع بدوره شريك كامل في هذه العملية. لكل عمر صورة جاهزة، ولكل طبقة اجتماعية سلوك متوقع، ولكل اختيار حكم مسبق. يتم تكرار هذه الصور حتى تبدو طبيعية جدًا، وحتى يصبح الخروج عنها نوعًا من التمرد غير المفهوم. فينشأ الإنسان وهو يحاول باستمرار أن يلائم نفسه مع القالب، يخفف من اختلافه، يخفي بعض ملامحه، ويضخم أخرى، فقط ليبقى مقبولًا.

حتى الحب نفسه قد يتحول إلى مساحة ضغط. الصديق يحبك، لكنه يريدك كما اعتاد عليك. القريب يريدك بالصورة التي يفهمها. ومع الوقت يتحول الحب إلى توقع، والتوقع إلى التزام خفي، ثم إلى خوف من التغيير. فتبدأ بتعديل نفسك دون وعي: تنازل صغير هنا، صمت بسيط هناك، حتى تكتشف أنك تبتعد تدريجيًا عن حقيقتك.

لهذا تصبح الحرية رحلة داخلية قبل أن تكون معركة خارجية.

كل شيء يبدأ بسؤال واحد فقط: هل هذا الذي أريده هو اختياري فعلًا، أم أنه مجرد ما تعودت عليه؟

هذا السؤال وحده قادر على هدم جدران كاملة. لأنه يجبرك على رؤية الأشياء كما هي، لا كما اعتدت عليها. يجعلك تلاحظ كم مرة تصرفت بدافع الخوف، وكم مرة وافقت فقط لتتجنب الرفض، وكم مرة خنت نفسك باسم الحكمة أو الأدب أو الواقعية.

التحرر لا يحدث في يوم واحد. لا يوجد صباح تستيقظ فيه حرًا بالكامل. التحرر عملية بطيئة، تراكم طويل من الوعي، ومواقف صغيرة تتغير، وقرارات بسيطة لكنها صادقة. أحيانًا يكون مؤلمًا، لأنك تغادر مساحة مألوفة تمنحك أمانًا زائفًا، وتدخل مساحة أوسع فيها حرية أكبر ومسؤولية أكبر أيضًا.

فالحرية ليست راحة، بل مسؤولية.

أن تكون حرًا يعني أن تتحمل نتائج اختياراتك، لا أن تلقيها على الآخرين. يعني أن تقول نعم وأنت تقصدها، وأن تقول لا دون خوف. يعني أن تضع حدودك بهدوء، وأن تعرف متى تقترب ومتى تبتعد، وأن تفهم أن الاختلاف لا يفسد العلاقات، وأن القرب الحقيقي لا يحتاج إلى التنازل عن الذات.

الإنسان لا يتحرر بالصراخ، بل بالوضوح.

هناك لحظة هادئة يعرف فيها الإنسان أنه بدأ يخرج من القفص، لحظة يشعر فيها أن صوته الداخلي أصبح أوضح، وأن خوفه صار أقل، وأن تأثير الآخرين لم يعد يحكمه كما كان. لا تختفي القيود كلها، لكنها تصبح مرئية، ومع الرؤية يبدأ التحرر الحقيقي.

أن تعيش حرًا وسط عالم يريد تشكيلك باستمرار يحتاج إلى شجاعة يومية، لا بطولات مسرحية. يحتاج إلى مراجعة مستمرة، إلى صدق مع النفس، إلى قدرة على الجلوس وحدك دون خوف، إلى استعداد لأن تخطئ وتتعلم وتغيّر نفسك دون شعور بالذنب.

في النهاية، الحرية ليست فكرة رومانسية كبيرة، بل ممارسة يومية صغيرة.

هي أن تعرف من أنت.

أن تعرف ماذا تريد.

أن تعرف ماذا ترفض.

وأن تملك الشجاعة الكافية لتعيش ذلك دون اعتذار.

أما العبودية، فهي أن تعيش نسخة كتبها الآخرون عنك… ثم تموت دون أن تقرأ نفسك مرة واحدة.

كيف نصل إلى هذه الحرية؟

أولًا: مارس الشك النبيل

اسأل دائمًا: لماذا أؤمن بهذا؟ من قال إن هذا هو الطريق الصحيح؟ هل هذا اختياري أم ميراث غير مفحوص؟

ليس كل ما ورثناه مقدسًا، وليس كل ما اعتدناه صحيحًا.

ثانيًا: تعلّم قول "لا"

الحرية تبدأ من الرفض. رفض الإذلال، رفض التبعية، رفض العلاقات التي تستنزفك، ورفض أن تكون نسخة مرضية للآخرين على حساب نفسك.

ثالثًا: تحمّل العزلة المؤقتة

كل تحرر حقيقي يمر بفترة وحدة. لأنك حين تخرج من القطيع، ستشعر بالبرد أولًا. لا تخف من ذلك، فالعزلة أحيانًا هي ثمن النجاة.

رابعًا: اقرأ أكثر مما تسمع

الوعي لا يُورث، بل يُبنى. القراءة تحررك من الاستهلاك الأعمى للأفكار، وتمنحك القدرة على رؤية ما وراء الخطاب السائد.

خامسًا: راقب خوفك

في كل مرة تتردد، اسأل نفسك: هل هذا قرار عقل… أم قرار خوف؟

غالبًا نحن لا نخسر حياتنا بسبب الخطأ، بل بسبب الخوف من المحاولة.

سادسًا: لا تبحث عن القبول الدائم

من يحاول إرضاء الجميع، يفقد نفسه أولًا. الاحترام أهم من القبول، والصدق أهم من التصفيق.

سابعًا: كن مسؤولًا عن نفسك

لا حرية بلا مسؤولية. لا يمكنك أن تطالب بالاستقلال وأنت تهرب من نتائج قراراتك.

الحرية ليست أن تفعل ما تريد، بل أن تتحمل ما اخترت.

وهنا فقط يبدأ الإنسان الحقيقي:

لا عبدًا عند أحد…

ولا سيدًا على أحد.