
لبنان المختطف: حين تتحكم الميليشيا بمصير الدولة والشعب
في صباح يوم الاثنين 9 مارس 2026، ارتفعت صفارات الإنذار في جنوب لبنان، معلنة سقوط 16 شهيدًا و40 جريحًا في غارات إسرائيلية استهدفت بلدتي جويا وطيردبا. على الأرض، المشاهد مأساوية: مبانٍ منهارة، سيارات محترقة، دماء ممتزجة بالغبار، وأطفال يصرخون بحثًا عن آبائهم، بينما النساء يركضن مذعورات بين الركام، والرجال يحاولون إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم. هذه الخسائر ليست مجرد أرقام على نشرات الأخبار، بل دماء عائلات فقدت حياتها في صراع لم يقرر فيه أحد حتى مصير لبنان.
منذ دخول حزب الله الحرب انتقامًا لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، أصبح لبنان ساحة صراع إقليمي، تتحكم فيه ميليشيا مسلحة خارج القانون، لا الدولة ولا الشعب يملكان فيها أي كلمة. ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل تحويل لبنان إلى ضحية لصراع أكبر من قدره، دون أي احترام لمؤسساته أو إرادة شعبه.
رسائل نعيم قاسم: الدفاع أم التبرير السياسي؟
كل كلمة يصدرها نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، هي مدروسة بعناية. الحرب ليست اختيارًا، بل واجب دفاعي مقدس، والسلاح هو الضمانة الوحيدة لحماية الطائفة الشيعية. لكن بين هذه الكلمات تكمن الحقيقة الصادمة: لبنان يُضحّى به لتحقيق أهداف خارجية، بعيدًا عن إرادة شعبه، بعيدًا عن مؤسسات الدولة، بعيدًا عن القانون.
هنا يكمن التناقض المأساوي: خطاب "الدفاع عن الوطن والطائفة" يُستخدم لتبرير اختطاف القرار الوطني بالكامل. كل صاروخ يُطلق، كل غارة إسرائيلية ترد، كل ضربة تلحق المدنيين في الجنوب، هي نتيجة قرار ميليشيا تتصرف كدولة داخل الدولة اللبنانية، متجاهلة الحكومة والبرلمان والشعب.
دولة داخل الدولة: ميليشيا تقرر الحرب والسلم
الحقيقة المرة أن حزب الله ليس مجرد حزب سياسي أو قوة مقاومة. إنه ميليشيا شبه مستقلة، تمولها إيران، وتمتلك جيشًا مجهزًا وصواريخ بعيدة المدى، وخط اتصال مباشر مع قيادتها. الحزب يقرر متى تبدأ الحرب، من يقتل ومن يعيش، ومتى تنتهي، متجاهلًا تمامًا الدولة اللبنانية، البرلمان، الحكومة، وحتى إرادة المواطنين أنفسهم.
هذا الخروج على القانون يحوّل لبنان إلى دولة مسلوبة السيادة، والشعب رهينة سياسات خارجية. أي محاولة للجدل حول صلاحيات الحزب أو تحديد القرار العسكري تصطدم بـ"الواجب الدفاعي" أو "حماية الطائفة"، بينما المدنيون يدفعون الثمن بأرواحهم، ودمار منازلهم، ونزوحهم القسري.
في طيردبا وجويا، كل شارع مدمر، كل منزل محطم، كل جريح أو شهيد، هو شهادة على أن اختطاف الدولة من قبل ميليشيا مسلحة يؤدي إلى مأساة إنسانية حقيقية. ما يحدث اليوم ليس دفاعًا عن لبنان، بل إعادة إنتاج الصراعات الإقليمية على أرض اللبنانيين.
الحل: إعادة الدولة إلى شعبها
لبنان بحاجة اليوم إلى إرادة سياسية حقيقية لاستعادة سيادته، وإعادة القرار العسكري والسياسي إلى المؤسسات الشرعية. الخطوات العملية واضحة، لكنها تتطلب شجاعة وتصميمًا:
-
حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية حصريًا
الجيش اللبناني هو القوة المسلحة الشرعية الوحيدة، ويجب أن يُسحب السلاح من أي جهة خارجية، بما فيها حزب الله. الحرب والسلم يجب أن يكونا حق الدولة وحدها. -
حوار وطني شامل
جمع القوى السياسية والمجتمع المدني لإعادة تأسيس سلطة الدولة وترسيخ القانون، بعيدًا عن أي تهديد أو ضغط، والتأكيد على أن السيادة الوطنية فوق كل أجندة خارجية أو مصالح طائفية. -
تعزيز الجيش اللبناني
تجهيز الجيش وتدريبه ليكون القوة المسلحة الشرعية الوحيدة القادرة على حماية الحدود والشعب، بعيدًا عن أي تأثير خارجي. الجيش هو المرجعية الوحيدة للقرار العسكري الوطني. -
مصالحة وطنية وحماية المدنيين
إعادة تأهيل المناطق المتضررة، توفير تعويض للضحايا، وحماية المواطنين الذين عانوا من النزوح والدمار. هذه خطوة أساسية لاستعادة ثقة الشعب بالدولة ووقف الانهيار الاجتماعي.
المأساة على الأرض: شهادات من جويا وطيردبا
في طيردبا، المنازل المدمرة شاهدة صامتة على قرار حرب لم يشارك أحد في اتخاذه. الأطفال يتسلقون الركام بحثًا عن ألعابهم المفقودة، الأمهات يصرخن بحثًا عن أبنائهن، والرجال يحاولون إنقاذ ما تبقى من ممتلكاتهم، بينما الميليشيا تحتفل بإنجازها العسكري والسياسي بعيدًا عن الواقع الإنساني.
في جويا، السوق المحلي الذي كان يعج بالحياة أصبح حقل أنقاض وصرخات لا تتوقف. كل منزل محطم، كل شارع مدمّر، كل جريح ودمعة، كلها شواهد على أن اختطاف القرار الوطني يؤدي إلى مأساة إنسانية حقيقية.
الدماء التي تُسفك اليوم ليست مجرد نتائج حرب، بل دليل على استسلام الدولة للميليشيا، واختطاف الشعب من قبل سلاح غير شرعي. كل خسارة مدنية، كل عائلة نازحة، هي تذكير صارخ بأن لبنان بحاجة إلى إعادة الدولة إلى الشعب، وإعادة السيادة إلى المؤسسات الشرعية.
خاتمة: لبنان بين الدم والسلاح
لبنان اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن تبقى الميليشيا صاحبة القرار في الحرب والسلم، ويستمر الشعب في دفع الثمن الباهظ بأرواح الأبرياء والدمار المستمر، أو أن يعود القرار إلى الدولة، إلى المؤسسات الشرعية، إلى الشعب نفسه.
الدماء التي تسيل في لبنان اليوم ليست مجرد ثمن حرب، بل نداء صارخ لإعادة السيادة، واستعادة الوطن إلى أصحابه الحقيقيين. لبنان لن يعيش بسلام إلا عندما تكون الدولة هي الوحيدة صاحبة القرار في الحرب والسلم، والشعب هو الحاكم الأول والأخير على مصيره ومستقبله.