
لبنان بين هدنة هشة ومسار سلام محفوف بالمخاطر :
يبدو وقف الأعمال العدائية الأخير بين لبنان وإسرائيل، رغم ترحيب الشارع اللبناني المتعب من الحرب، أقرب إلى استراحة مؤقتة منه إلى بداية مسار سلام حقيقي. فالاتفاق، بصيغته الحذرة، لم يُغلق باب المواجهة بقدر ما فتح نافذة اختبار سياسي وأمني شديد التعقيد، عنوانه: هل يمكن تحويل هدنة قصيرة إلى تسوية دائمة؟
الرهان الأساسي اليوم يقوم على إمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى التفاوض حول ترتيبات أمنية أوسع، في ظل اهتمام دولي متزايد، خصوصًا من واشنطن، بدفع هذا المسار. غير أن هذا الاندفاع الخارجي يصطدم بواقع لبناني داخلي شديد الهشاشة، وبشبكة توازنات إقليمية أكثر تعقيدًا، حيث يتداخل النفوذ الإيراني مع الحسابات الإسرائيلية داخل الساحة اللبنانية.
العقدة المركزية تبقى في ملف السلاح غير الشرعي، وتحديدًا سلاح حزب الله، باعتباره ليس مجرد قضية أمنية بل عنصرًا تأسيسيًا في معادلة القوة الداخلية والإقليمية. أي حديث عن سلام أو تطبيع أو حتى ترتيبات أمنية طويلة الأمد يصطدم مباشرة بسؤال السيادة: من يحتكر قرار الحرب والسلم داخل لبنان؟
في المقابل، لا يبدو الداخل اللبناني موحدًا حول خيار الانخراط في مسار تفاوضي مع إسرائيل. فالمجتمع اللبناني، المنقسم سياسيًا وطائفيًا، لا يزال ينظر إلى أي تسوية محتملة بعين الريبة، خصوصًا في ظل شعور مكوّنات أساسية، وعلى رأسها الطائفة الشيعية، بأنها قد تكون الخاسر الأكبر في أي إعادة صياغة للتوازنات.
وتزداد حساسية المشهد مع وجود قناعة لدى بعض الأطراف الدولية بأن التسريع في فرض تسوية سياسية قد يسبق إعادة تموضع القوى الرافضة لها، ما قد يمنح الاتفاق شكلًا خارجيًا دون مضمون داخلي قابل للاستمرار. وهو رهان محفوف بالمخاطر، لأن غياب التوافق الداخلي كفيل بتحويل أي إنجاز دبلوماسي إلى أزمة مفتوحة.
أما المؤسسة العسكرية اللبنانية، فتجد نفسها في موقع بالغ الدقة، إذ تُطلب منها مهمات تتعلق بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية قد تفجر الاستقرار الهش أصلًا. وهو ما يفسر الحذر الواضح في مقاربتها، ومحاولتها تفادي الصدام المباشر داخل بيئة اجتماعية معقدة.
في المحصلة، لا يبدو أن لبنان يقف أمام فرصة سلام جاهزة، بل أمام اختبار طويل لإدارة التناقضات الداخلية والإقليمية. فنجاح أي مسار تفاوضي لا يرتبط فقط بإرادة الخارج أو ضغوطه، بل بقدرة الداخل اللبناني على إنتاج تفاهمات سياسية واجتماعية تقلل من منسوب الخوف والانقسام. من دون ذلك، قد تتحول الهدنة الحالية إلى مجرد فاصلة قصيرة في مسار توتر قابل للانفجار مجددًا.