
لبنان بين نار العدوان وغموض السياسة الدولية:
ما يحدث في لبنان اليوم ليس مجرد جولة جديدة من الصراع، بل فصل مؤلم من فصول القسوة التي تُمارَس على شعبٍ بأكمله. عدوانٌ إسرائيلي يتجاوز حدود الرد العسكري إلى استهداف البشر والحجر معًا، باستخدام قوة مفرطة تقترب في سلوكها من الهمجية، حيث لا يبدو أن هناك تمييزًا واضحًا بين هدف عسكري وآخر مدني. والنتيجة: مجتمعٌ يُستنزف، وبلدٌ يُدفع مرة أخرى نحو حافة الانهيار...
غير أن ما يضاعف من مرارة المشهد ليس فقط حجم الدمار، بل طبيعة الخلفيات السياسية التي تحكمه. فوفق ما نُقل عن جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، والذي قاد مسار المفاوضات، فإن ثمة التباسًا – أو ربما تضليلًا متعمّدًا – شابَ التفاهمات المتعلقة بالهدنة الإيرانيون، كما قيل، اعتقدوا أن لبنان مشمول بوقف إطلاق النار، بينما لم يتضمن البيان ذلك صراحة، هذه الفجوة بين الفهم والتدوين لا يمكن قراءتها ببساطة كخطأ دبلوماسي؛ بل توحي بوجود تنسيق ضمني يسمح باستمرار العمليات العسكرية على الساحة اللبنانية، حتى في ظل حديثٍ عن التهدئة...
في ميزان السياسة الدولية، قد تبدو مثل هذه “الثغرات” أمرًا معتادًا، لكن كلفتها على الأرض باهظة، فحين تُدار الأزمات بهذه الطريقة، يتحول الغموض إلى أداة حرب، ويصبح المدنيون رهائن لتفسيرات متباينة لنصوص لم تُكتب بدقة، أو ربما كُتبت بوعيٍ يسمح بتعدد التأويل...
الأشد إيلامًا، أن لبنان يُحاسَب اليوم على أفعال لم يرتكبها ككيان جامع، هناك قوى داخلية تعلن مواقفها وصراعاتها، بل وتذهب إلى حد إعلان الحرب في سياقات إقليمية معقدة، لكن الثمن لا يبقى محصورًا بها، بل يتسع ليشمل كل بيت، وكل شارع، وكل مواطن، وهنا تتجلى المأساة الحقيقية: بلدٌ بكامله يُعاقَب بسبب قرارات أو حسابات لا تعكس بالضرورة إرادة جميع أبنائه...
إن تحميل الشعوب مسؤولية خيارات الفاعلين المسلحين أو النخب السياسية هو أحد أكثر أوجه الظلم فجاجة في عالمنا المعاصر، وهو أيضًا وصفة دائمة لإعادة إنتاج الأزمات بدل حلّها. فالقوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تخلق استقرارًا إذا كانت تُمارَس خارج إطار العدالة والتمييز والاعتراف بحقوق المدنيين...
في النهاية، ما يجري في لبنان يطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: - إلى متى سيبقى المدنيون الحلقة الأضعف في صراعات تُدار فوق رؤوسهم؟..
- وهل يمكن لأي تسوية أن تكون ذات معنى إذا بُنيت على الغموض، أو على استثناءات غير مُعلنة، أو على حساب دماء الأبرياء؟..
إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة هي ما يحدد إن كان العالم يتجه نحو نظام أكثر عدلًا… أم أنه يكرّس، مرة بعد مرة، منطق القوة على حساب الحقيقة والإنسان.