
لكي لا نخاف مرة أخرى :
في البلدان التي عرفت الاستبداد طويلًا، لا يبدأ الخوف من الحاكم حين يبطش، بل يبدأ حين يصبح وجوده شرطًا للاستقرار...
هناك، تتحول الدولة إلى ظلّ رجل، ويتحول الناس—ببطء—من مواطنين إلى منتظرين:
ينتظرون قراره، رضاه، مزاجه… وحتى صمته...
لم تكن المأساة في سورية أن القائد كان قويًا، بل في أن النظام كان أضعف من أن يضع له حدًا، وفي كل مرة كان يُطرح فيها سؤال “من يقود؟”، كان السؤال الحقيقي يُؤجَّل:
من يضع القائد في مكانه الطبيعي،ومن يمنعه من تجاوزه؟
المشكلة لم تكن نقص الرجال، بل غياب القواعد:
لذا فإنه حين لا تكون هناك حدود واضحة للسلطة، تتمدد حتى تبتلع كل شيء :
القانون، المؤسسات، وحتى فكرة الدولة نفسها، وكذا فحين تغيب المساءلة، لا يعود الخطأ حادثًا، بل يصبح نمطًا...
لهذا، فإن أي بداية جديدة لا يمكن أن تُبنى على الأسماء، لأن الأسماء تتغير، أما البنية إن بقيت كما هي، فإنها تعيد إنتاج النتيجة نفسها، بوجوه مختلفة فقط...
لذا:
فإن ما يحتاجه السوريون ليس قائدًا أفضل، بل نظامًا يجعل “أفضل” القادة غير قادرين على الانحراف، ويمنع “أسوأهم” من أن يفعلوا الكثير...
السوريون اليوم يحتاجون لظام لا يُراهن على الضمير، بل يضع له حواجز،
ولا يفترض الكمال، بل يتعامل مع احتمالات الخطأ والانحراف كحقيقة يجب ضبطها...
هذا يعني أن السلطة لا يجب أن تُعطى دفعة واحدة، ولا أن تُترك دون تفكيك، اقصد أنه يجب أن تُقسّم، وتُوزّع، وتُراقَب، بمعنى أن نكون مع :
- سلطة تنفيذية تعرف حدودها قبل أن تختبرها...
- وسلطة تشريعية لا تُشتق من إرادة الحاكم، بل من إرادة الناس...
وقضاء يقف خارج هذا كله، كميزان لا يميل، كونه اي القضاء ليس تفصيلًا في البناء، بل هو الضمانة الأخيرة حين تفشل كل الضمانات، فإن خضع، لم يبقَ ما يُحتكم إليه...
ثم هناك الحقيقة…
تلك التي كانت، لسنوات، أكثر ما يُخشى، فحين يُصادَر الإعلام، لا تختفي الحقيقة، بل تُدفن، وحين تُدفن طويلًا، تعود على شكل صدمة...
الإعلام الحر ليس ترفًا، بل صمام أمان،
هو الذي يكشف الخلل قبل أن يتحول إلى انهيار، ويمنع السلطة من احتكار الرواية...
أما القانون، فإن قيمته لا تُقاس بعدد مواده، بل بقدرته على الوقوف في وجه الأقوى، فالقانون الذي يُطبَّق على الضعفاء فقط، ليس قانونًا، بل ترتيب قسري للسلطة...
في قلب كل ذلك، تقف لحظة انتقال لا يجوز أن تُهدر اقصد أن :
المرحلة الانتقالية ليست وقتًا رماديًا،
بل لحظة حاسمة تُكتب فيها القواعد الجديدة...
وكل ما يُكتب في الظل، سيُدفع ثمنه في العلن لاحقًا...
لهذا، يجب أن تكون هذه المرحلة مكشوفة، محددة، ومفهومة،لا غموض في الصلاحيات، ولا تأجيل في الاستحقاقات، ولا مساومات تُخفي جوهر الصراع بدل أن تحلّه...
لذا فإن الانتقال الحقيقي لا يعني أن تتبدل الوجوه، بل أن تُغلق الأبواب التي كان يدخل منها الاستبداد...
وربما أصعب ما يجب التخلي عنه،هو الرغبة في انتظار “الشخص الذي سيُنقذ الجميع”...
هذه الفكرة مريحة، لكنها خطيرة، لأنها تعفي المجتمع من مسؤوليته، وتمنح فردًا ما سلطة لا يجب أن يمتلكها أحد...
البديل أصعب… لكنه الوحيد الممكن:
- بناء نظام لا يحتاج إلى منقذ. .
- نظام يعمل حتى في غياب البطولة،
ويصمد دون الحاجة إلى رجل استثنائي، ولا ينهار إذا كان من فيه أشخاص عاديون...
الدولة التي تستحق أن تُبنى،هي تلك التي لا يخاف فيها الناس من السلطة،
ولا تخاف السلطة فيها من الحقيقة...
دولة يعرف فيها الحاكم أنه مُقيّد، ويعرف فيها المواطن أنه محمي...
عندها فقط، لا يعود السؤال:
- من القائد؟
بل:
- هل النظام قادر على الاستمرار دون أن يؤذي أهله؟..
إذا كانت الإجابة نعم:
نكون قد بدأنا، أخيرًا، بالخروج من الدائرة.، لا نحو مستقبل مثالي،
بل نحو مستقبل… لا يخيف.