
لما تضيع الحكومة السورية اتجاه البوصلة، نتيجة قلة الخبرة أو حتى الارتكاب أو ربما خيانة الأمانة :
ما صدر عن هيئة الاستثمار يوحي بمحاولة لطمأنة الشارع، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطريقة إدارة الملف الصحي. فمجرد طرح فكرة “نماذج إدارة بالشراكة مع القطاع الخاص” في قطاع حساس كالصحة، دون تقديم تصور شفاف ومفصل، يفتح الباب واسعاً أمام القلق المشروع لدى المواطنين.
المشكلة هنا لا تبدو في النوايا المعلنة بقدر ما تكمن في غياب الخبرة المؤسسية الواضحة، وضعف التواصل، والتردد في اتخاذ موقف حاسم ومفهوم. وهذا ما يعطي انطباعاً بالتخبط، وكأن السياسات تُطرح للاختبار الإعلامي قبل أن تنضج فعلياً على أرض الواقع.
كما أن إدارة مرحلة انتقالية تتطلب معياراً مختلفاً تماماً عن أي تجارب سابقة، فليس كافياً الاعتماد على الشرعية الثورية أو التاريخ النضالي لتولي ملفات معقدة كالصحة والاقتصاد. المسؤولية هنا تقنية، إدارية، ومبنية على الكفاءة قبل أي اعتبار آخر.
وانا هناك وبمنطق الحريص الذي لا يقتنص اقول أن الطرح الذي جاء من هيئة الاستثمار يؤكد :
- أنه أي الطرح غير الواضح يضر أكثر مما يطمئن.
- غياب خطة معلنة ومكتوبة يعزز الشكوك.
- الخلط بين “التطوير” و”الخصخصة” دون تعريف دقيق يربك الرأي العام.
وكي لا ابدو اني اقول لمجرد القول أو الانتقاد أو الاعتراض مع اني لا اخفي أن اعترض هذا العهد بقدر ما هو بعيد عن مدنية الدولة السورية وديموقراطيتها وكلما ابتعد زاد اعتراضي، نعم بعد ما قالت أرى أنه من الضروري توفر :
-
الشفافية أولاً:
نشر خطة واضحة ومفصلة لأي تغيير في إدارة القطاع الصحي، بلغة يفهمها المواطن العادي، وليس فقط المختصون. -
الفصل بين الإدارة والملكية:
التأكيد العملي— وليس فقط الإعلامي—أن أي شراكة لا تمس ملكية الدولة للمشافي ولا مجانية الخدمات الأساسية. -
الاستعانة بالكفاءات:
إدخال خبرات طبية وإدارية حقيقية (داخلية وخارجية) في تصميم السياسات، بعيداً عن الاعتبارات السياسية الضيقة. -
التدرج في الإصلاح:
البدء بمشاريع تجريبية محدودة، وتقييم نتائجها قبل التوسع، بدل القفز إلى عناوين كبيرة تثير القلق. -
إشراك المجتمع:
فتح حوار مع النقابات الطبية، والكوادر الصحية، وحتى ممثلي المرضى، لأنهم الأقدر على كشف نقاط الضعف الحقيقية.
في النهاية، المرحلة الانتقالية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على بناء ثقة الناس. وهذه الثقة لا تأتي إلا من وضوح الرؤية، صدق الطرح، وكفاءة التنفيذ.