
لماذا لن تتكرر تجربة فنزويلا في إيران رغم تهديدات ترامب
في السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن "سيناريو فنزويلا" مرادفًا للانهيار الاقتصادي والسياسي المفاجئ، واستُخدم مرارًا كتهديد ضمن استراتيجيات الضغط على دول بعينها. ووسط هذه التهديدات، برزت الولايات المتحدة خلال فترة إدارة دونالد ترامب، لتلوّح بخيارات مشابهة ضد إيران، لكنها تبدو اليوم محكومة بمجموعة من العوامل التي تمنع تكرار التجربة الفنزويلية على الأراضي الإيرانية.
أولًا، تمتلك إيران واحدة من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، ما يمنحها نفوذًا استراتيجيًا فريدًا. هذا المخزون ليس مجرد مصدر دخل، بل أداة ضغط في مواجهة العقوبات، إذ يصعب على أي طرف خارجي عزل إيران اقتصاديًا بشكل كامل كما حصل مع فنزويلا. حتى في ظل العقوبات الأمريكية المشددة، استطاعت إيران تطوير شبكات بديلة للتجارة والطاقة مع دول مثل الصين وروسيا، ما يخفف تأثير الحصار بشكل كبير.
ثانيًا، التماسك السياسي الداخلي لإيران يعزز صمودها أمام الضغوط الخارجية. فالنظام الإيراني يمتلك مؤسسات دولة متماسكة إلى حد كبير، قادرة على امتصاص الصدمات وإدارة الأزمات بشكل منظم. في المقابل، شهدت فنزويلا انهيارًا سريعًا في مؤسساتها السياسية بسبب الاعتماد الكلي على سلطة شخصية محددة، وهو ما لم يحدث في إيران التي تتمتع بجهاز مؤسسي معقد قادر على التكيف.
ثالثًا، الخبرة التاريخية للإيرانيين في مواجهة الضغوط الخارجية تلعب دورًا محوريًا. فإيران صقلت استراتيجياتها عبر عقود من مواجهة العقوبات والتدخلات الأجنبية، بدءًا من الأزمة النووية وحتى الحرب المفروضة في الثمانينيات. هذه الخبرة جعلت الدولة الإيرانية أكثر قدرة على الصمود وتطوير أدوات داخلية للمقاومة الاقتصادية والسياسية، مقارنة بفنزويلا التي لم تمتلك شبكة دعم مماثلة لمواجهة انهيار سريع.
رابعًا، الدعم الإقليمي والدولي يعزز موقف إيران ويحول دون أي محاولة لتكرار سيناريو فنزويلا. من سوريا ولبنان إلى الصين وروسيا، تمتلك إيران حلفاء استراتيجيين يخلقون صعوبات كبيرة أمام أي تدخل عسكري أو عقابي شامل. هذا الدعم يجعل إيران أكثر قدرة على المناورة والمقاومة مقارنة بفنزويلا، التي لم تجد حلفاء قادرين على موازنة الضغوط الخارجية.
خامسًا، التركيبة الاجتماعية والسياسية المعقدة لإيران تجعل أي محاولة لتقليد تجربة فنزويلا معقدة للغاية. فإيران دولة كبيرة ومتنوعة من حيث التركيبة الاجتماعية والثقافية، ما يخلق ديناميكية معقدة من الاحتجاجات والتفاعلات الشعبية التي يصعب اختزالها في سيناريو واحد، بخلاف فنزويلا التي كانت أزمة انهيارها مركزة حول العاصمة ومناطق محددة.
بالنظر إلى هذه العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، يبدو أن احتمال تكرار "سيناريو فنزويلا" في إيران منخفض بشكل كبير، رغم التهديدات والتصريحات العدائية. القوة الداخلية، الخبرة التاريخية، والدعم الإقليمي تجعل إيران أكثر مرونة وصمودًا، مما يحول دون نجاح أي محاولة لتطبيق نفس النموذج بشكل مباشر. في النهاية، الحديث عن سيناريو مشابه لفنزويلا في إيران يبدو بعيد المنال، والتهديدات الأمريكية أقرب إلى استراتيجية إعلامية وسياسية منها إلى واقع عملي.