--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ليل الوحدة والدم .

Salah Kirata • ١٦‏/٢‏/٢٠٢٦

82039-780x470.jpg

قبل أن أنام سأحدثكم عن :
                  "ليل الوحدة والدم"...
كنت أحد من عاشوا دقائق وتفاصيل ماعرف وقتها بـ ( مجزرة كلية مدفعية الميدان في ١٦ حزيران ١٩٧٩ )...
نعم كنت  من بين طلاب الدورة ٣٣ الحربية، كنت هناك مساءً، حين تحولت أروقة الكلية إلى مسرح للدهشة والرعب، والجدران التي اعتدنا على صمتها أصبحت شاهدة على أصوات الدم والصرخات، فالرعب لم يكن مجرد خوف لحظي، بل إحساس جماعي باختلال العالم من حولنا، حين يتقاطع الطموح الشخصي، السياسة العليا، والدماء على الأرض في آن واحد...
لماذا قلت الجملة الاخيرة، لأن  سورية كانت آنذاك في تنسيق مستمر مع العراق، في مسعى لقيام وحدة اندماجية بين القطرين، كون القطرين شقيقين والجغرافيامتصلة والشعب واحد ولا فواصل طبيعية بين البلدين أضاف لكل هذا، فقد كان الحزب القائد في البلدين واحد، والنوايا المعلنة كانت واعدة وطيبة، لكن الغموض السياسي يحيط بكل خطوة...

وقبل أن استطرد في طرح ما أريد أن أودعكم إياه كوثيقة من شاهد عيان على يوم عصيب عاشته سورية وكان له ماله وعليه ماعليه، اريد ان اعلمكم بمعلومة ضرورية قد تفسر ما حدث لاحقا، بعد ١٦ سنة وهي اي المعلومة :
كان المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي والذي عقد في عام ١٩٦٣ كان قد اتخذ قرار  بفصل الرفيقين( أحمد حسن - البكر وصدام حسين )...
 بدا القرار على الورق في حينها كإجراء تنظيمي، لكنه كان حجر الزاوية في صراع نفوذ دامٍ سيغير وجه المنطقة لاحقا كما ستلاحظون...
عموماً :
الحديث عن الوحدة كان حاضرًا في كل زاوية من السياسة الرسمية وقتذاك، إذ كان من المفترض أن تتوج اول دورة لوحدة البلدين والشعبين الشقيقين برئاسة الراحل ( أحمد حسن البكر ) حيث تم الاتفاق وقتها على أن أول رئيس لجمهورية الوحدة، وكان ذلك بموافقة حافظ الأسد طبعا...
 لم أكن أعرف ماذا سيكون منصبه واقصد الأسد في الدورة الأولى،هل سيكون نائب الرئيس أم منصبًا آخر؟..
لكن ما أعرفه هو أن الاتفاق كان قد تم على أن يتم تداول رئاسة الجمهورية بالتناوب بين البكر والأسد، بحيث يحصل كل منهما على فترته وفق ما تم التوافق عليه، وبعدد سنوات محددة وقد وضعت آليات تداول الرئاسة...

وأغلب الظن أن وفدا سياسيا وعسكريا سوريا رفيع المستوى، كان قد وصل إلى بغداد قبل المجزرة ربما ببضعة ساعات لوضع اللمسات النهائية على طقوس إعلان الوحدة بين البلدين، ولتأكيد الاتفاق الذي سبق أن أُنجز بالكامل على الورق، والوفد وقتها وجد نفسه بين أجواء رسمية ومراسم احتفالية أعدت بعناية، متجهًا نحو إعلان أمام الشعب، وما كان متوقعًا أن يكون احتفالًا مراسميا كبيرا يشارك فيه شعب البلدين التي كان يفترض أن تصير بلد واحد لولا مجزرة كلية مدفعية الميدان، فقد أصبح فجأة ذلك اليوم اختبارًا للدم والقدرة على الصمود أمام المفاجآت القاسية...
نعم :
 جاءت مجزرة كلية المدفعية مساء ذلك اليوم، وأحدثت صدمة عميقة في كل زوايا سورية، الأصداء تجاوزت حلب ودمشق، وربما وصلت بغداد نفسها، فبعد ايام كان صدام حسين قد بدأ تنفيذ الانقلاب الأبيض على أحمد حسن البكر، ومن ثم أعدم جميع أعضاء القيادتين القومية والقطرية العراقيين الموالين للوحدة، في تلك اللحظة، تحول كل شيء إلى ليل ثقيل يخيم على سورية كلها، على قلوب الطلاب، وعلى المسؤولين في دمشق، وعلى الوفد السوري في بغداد...
عاد الوفد السوري فجر ١٧ حزيران، متأثرًا بعبء المجزرة والرعب الذي اجتاح البلاد، كل خطوة في الطريق من بغداد إلى دمشق كانت ثقيلة، وكأن الطريق نفسه يئن تحت وطأة الدم والخيبة، دمشق استقبلت الوفد في صمت مُطبق، غارق في القلق، في صدمة مفاجئة، في التساؤل عن مصير الاتفاق، عن مصير الوحدة، وسط الظلام الذي كان يغطي كل شيء، كما لو أن العالم كله قد توقف للحظة...

العودة لم تكن مجرد حركة جغرافية؛ كانت رحلة بين الصدمة والخوف، بين الواقع والكوابيس السياسية، كل حديث مكتوم، كل نظرة تحمل القلق، وكل مساحة في غرفة الاجتماعات أو المكاتب المغلقة كانت تشهد على الرعب الذي حل بالبلاد، وما حدث في العراق، من إقصاء البكر وإعدام أعضاء القيادة العراقيين، أصبح في أذهان الجميع تذكيرًا بأن الدماء كانت أقوى من الاتفاقات، وأن الوحدة بين القطرين كانت على حافة السقوط منذ لحظة وضع أول قدم على طاولة الطقوس...
فما حدث في تلك الأيام كان تراجيديا حقيقية؛ الدماء لم تكن مجرد خسارة فردية، بل شهادة على أن السياسة، في أعلى مستوياتها، قادرة على سحق الإنسان، الطموح، والخطط التي طالما وُضعت على الورق...

لكن ما أريد أن أسجله هنا هو اني  اختلافي مع حافظ الأسد، وتحديدا نتيجة جرم التوريث، إلا أن هذا لن يجعلني شاهد زور، ولن يجعلني أن اخفي أو اخفف من حقيقة ما حدث، بل زاد من وضوح الصدمة التي تركتها تلك اللحظات على الذاكرة...
ففي كل حجر من أرض كلية المدفعية، وفي كل زاوية من حلب، وفي كل شرفة تطل على دمشق، لا أستطيع إلا أن استذكر دماء من غادرونا و سبقونا حيث لبوا النداء ملتحقين بالسماء...
 كنت ولازلت أشم رائحة الرعب، و أسمع الصمت الذي غطى كل الأصوات، فالسياسة كانت أقوى من كل إنسان لكن الوحدة التي حلم بها البعض بين القطرين انتهت تحت جنازير التاريخ، تحت طموح صدام حسين، وحسابات حافظ الأسد، والدماء كانت الثمن الذي دفعه الجميع، من العراق إلى سورية، ومن الطلاب على الأرض إلى القادة في المكاتب المغلقة.