
ليست الأولوية شهادة ولا إقامة… بل معيار العدالة وحده:
ينتمي الإنسان إلى أماكن متعددة، بعضها يولد معه وبعضها يولد فيه. ومن الطبيعي أن يحمل في ذاكرته مزيجًا من المدن والقرى التي شكّلت جذوره العائلية والوجدانية. فمن جهة الأب تأتي الذاكرة من ، ومن جهة الأم تمتد إلى ، حيث تتداخل الحكايات الشخصية مع جغرافيا أوسع من الانتماء والهوية.
لكن هذا الانتماء، مهما كان عميقًا، لا ينبغي أن يتحول إلى معيار تفاضل أو أولوية بين الناس. فالمجتمعات لا تُبنى على الامتيازات الرمزية، سواء كانت “شهادات” متخيلة أو “إقامات ذهبية” رمزية، ولا على انتماءات جغرافية مهما كانت عزيزة.
من هنا تأتي الفكرة الأساسية:
ليس كافيًا أن يكون الإنسان “خريج هارفارد إدلب” — كناية عن التفوق الاجتماعي أو التعليمي — ولا أن يحمل “إقامة ذهبية إدلبية” — كناية عن الامتياز المحلي أو الطبقي — لكي يُمنح الأفضلية أو يُقدَّم على غيره.
القيمة الحقيقية لأي إنسان لا تُقاس بالرموز التي يضعها لنفسه أو تُوضع له، بل بما يقدمه من عدالة، وكفاءة، واحترام للآخرين. فالمجتمع الذي يُعيد ترتيب الناس وفق الامتيازات الشكلية، يفتح الباب أمام اختلالات أخلاقية واجتماعية، حيث تُهمَّش الكفاءة لصالح الانتماء، ويُستبدل الحق بالرمز.
ومع كل الاحترام للأدالبة فردًا فردًا، كما لكل أبناء المناطق الأخرى، فإن الانتماء الجغرافي ليس جواز مرور إلى الأفضلية، ولا شهادة ضمان للسبق. الناس متساوون في القيمة الإنسانية، ويتفاوتون فقط بما يقدمونه من عمل وسلوك ومسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو تحويل الانتماء إلى معيار تفاضل، بدل أن يبقى مصدر غنى وتنوع. فالوطن يتسع للجميع، لكن العدالة وحدها هي التي تمنح كل فرد مكانه الحقيقي، بعيدًا عن الألقاب والرموز والانتماءات الضيقة.
في النهاية، ليست المسألة من أين أنت، بل كيف تكون، وماذا تقدم، ولأي قيمة تنحاز.