--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

ما بعد التوتر: لماذا قد لا يكون الاتفاق بين واشنطن وطهران نهاية للأزمة؟

Salah Kirata • ٣١‏/٥‏/٢٠٢٦

40564.png

ما بعد التوتر: لماذا قد لا يكون الاتفاق بين واشنطن وطهران نهاية للأزمة؟

في الشرق الأوسط، لا تُقاس أهمية الأحداث بما يُعلن عنها، بل بما تخفيه من تحولات أعمق. فهذه المنطقة اعتادت أن تجعل من الاتفاقات محطات عبور لا محطات وصول، ومن التهدئة فترات لإعادة التموضع أكثر منها لحظات استقرار دائم. ومن هذا المنظور، تبدو التطورات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران جزءاً من عملية إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى، لا مجرد جولة جديدة من المفاوضات السياسية.

لقد أمضى الطرفان سنوات طويلة في إدارة صراع متعدد الأوجه، تجاوز الملف النووي بكثير ليشمل النفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، ومستقبل التوازنات الأمنية في الخليج، وشكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور خلال العقد القادم. ولذلك فإن اختزال الأزمة في مجموعة من البنود التقنية أو الإجراءات المتبادلة لا يعكس حقيقة المشهد بقدر ما يخفي تعقيداته.

اللافت أن كلاً من واشنطن وطهران وصل إلى قناعة مفادها أن كلفة المواجهة المفتوحة أصبحت مرتفعة للغاية، لكن ذلك لا يعني أن أسباب الصراع قد تراجعت. فالولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى إيران باعتبارها تحدياً دائماً لمصالحها وشبكة تحالفاتها في المنطقة، فيما ترى إيران أن الضغوط المفروضة عليها ليست سوى محاولة لتقييد دورها الاستراتيجي وإعادة رسم حدود نفوذها.

بين هاتين الرؤيتين المتعارضتين، يتحول أي اتفاق محتمل إلى أداة لإدارة الأزمة لا لحلها. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التسويات التي تُبنى على توازن الضرورات أكثر من توافق المصالح غالباً ما تكون قابلة للحياة مؤقتاً، لكنها تظل معرضة للاهتزاز كلما تغيرت الظروف أو تبدلت الحسابات.

ولعل جوهر المسألة لا يكمن في التفاصيل التي قد يتضمنها أي تفاهم قادم، بل في السؤال الأوسع: هل يسعى الطرفان فعلاً إلى إنهاء الصراع، أم إلى تنظيمه بصورة أكثر قابلية للإدارة؟

الواقع يشير إلى الاحتمال الثاني. فالقوى الكبرى لا تتخلى بسهولة عن أوراق الضغط التي تمتلكها، كما أن القوى الإقليمية لا تتنازل طوعاً عن عناصر القوة التي تضمن لها البقاء والتأثير. ومن هنا يصبح التفاوض امتداداً للصراع بوسائل مختلفة، لا بديلاً عنه.

وفي قلب هذا المشهد تبرز أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. فالممرات البحرية الحيوية، ومصادر الطاقة، ومواقع النفوذ الاستراتيجي، ليست مجرد عناصر في معادلة الأمن الإقليمي، بل هي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية. ولهذا السبب لا تستطيع أي قوة كبرى التعامل مع الشرق الأوسط باعتباره ملفاً محلياً أو إقليمياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من معادلة الأمن العالمي.

ومع أن الحديث يتركز اليوم على فرص التهدئة وإمكانية الوصول إلى تفاهمات جديدة، فإن التجربة التاريخية تدعو إلى قدر من الحذر. فالعديد من الاتفاقات التي وُصفت في لحظتها بأنها اختراقات تاريخية انتهت لاحقاً إلى أن تكون مجرد فواصل زمنية بين أزمتين. والسبب أن الاتفاقات تستطيع معالجة النتائج المباشرة للصراعات، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة أسبابها البنيوية العميقة.

لهذا يبدو من المبكر الحديث عن مرحلة جديدة من الاستقرار الدائم. فالأرجح أن المنطقة تتجه نحو شكل مختلف من إدارة التنافس، لا نحو إنهائه. وقد تنخفض حدة التوتر لفترة، وقد تتراجع احتمالات المواجهة المباشرة، لكن ذلك لا يعني أن عناصر النزاع الأساسية قد اختفت.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتوصلان إلى اتفاق، بل ما إذا كان الشرق الأوسط نفسه مهيأً للدخول في مرحلة توازن مستقر. وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات كافية للإجابة بالإيجاب.

ففي منطقة تتشابك فيها المصالح الدولية بالطموحات الإقليمية، وتلتقي فيها الجغرافيا بالنفط والأمن والتاريخ، قد يكون الاتفاق بداية مرحلة جديدة بالفعل، لكنه ليس بالضرورة نهاية الصراع. وربما تكون الحكمة السياسية في هذه اللحظة هي عدم الانخداع بضجيج العناوين الكبرى، والنظر بدلاً من ذلك إلى ما يجري تحت السطح، حيث تتشكل الحقائق التي سترسم مستقبل المنطقة في السنوات القادمة.