--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

مضيق هرمز وباب المندب: حين تتحول الجغرافيا إلى أداة ابتزاز ويُختبر القانون الدولي على حافة القوة

Salah Kirata • ١٠‏/٤‏/٢٠٢٦

20236.webp

مضيق هرمز وباب المندب: حين تتحول الجغرافيا إلى أداة ابتزاز ويُختبر القانون الدولي على حافة القوة

لم تعد المضائق البحرية مجرد ممرات مائية تربط بين بحار ومحيطات، بل تحولت إلى مفاصل حاكمة في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولي. وفي مقدمتها مضيق هرمز ومضيق باب المندب ومضيق جبل طارق، التي تشكل شرايين لا غنى عنها لاستمرار حركة التجارة العالمية.

لكن يجب قول الحقيقة بوضوح: ليست كل المضائق متشابهة لا في الطبيعة ولا في القانون ولا في مصدر الشرعية.

هناك فرق جذري بين مضائق طبيعية خالصة أوجدتها الجغرافيا، وبين ممرات اصطناعية شقّها الإنسان داخل إقليم دولة واحدة. هذا الفرق ليس لغويًا ولا أكاديميًا، بل هو أساس قانوني يحدد من يملك ماذا، ومن يحق له أن يفرض رسوماً، ومن لا يحق له ذلك إطلاقًا.

مضيق هرمز ومضيق باب المندب ليسا مشروعين بشريين ولا ممرين خاضعين لسيادة منفردة. هما نتاج جغرافي طبيعي خالص، يقعان ضمن فضاء إقليمي متداخل بين أكثر من دولة متشاطئة، ويستخدمان للملاحة الدولية على نطاق عالمي. ولهذا السبب تحديدًا، أخضعهما القانون الدولي لنظام واضح لا لبس فيه: “المرور العابر”، أي حرية عبور كاملة للسفن التجارية وناقلات النفط والسفن الحربية، دون تعطيل ودون إذن مسبق ودون رسوم عبور.

وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لا تملك أي دولة متشاطئة في هذه المضائق حق تحويلها إلى بوابة جباية، ولا إلى منفذ ابتزاز سياسي أو اقتصادي. السيادة هنا ليست سيادة مطلقة، بل مقيدة بجوهر النظام البحري العالمي نفسه: ضمان انسياب الملاحة الدولية دون خنق جغرافي.

19980.jpg

ومع ذلك، فإن الواقع السياسي يكشف محاولات متكررة لاستغلال هذا الموقع الجغرافي الحاكم. إيران، بوصفها الدولة المتشاطئة على الضفة الشمالية لمضيق هرمز، جعلت من هذا المضيق ورقة ضغط استراتيجية دائمة، تتأرجح بين التهديد بالإغلاق وبين فرض وقائع ميدانية تُستخدم في لحظات التوتر الإقليمي.

وقد سُجل في فترات سابقة، خلال أجواء الحرب والتصعيد، فرض مطالب مالية أو إتاوات غير رسمية على بعض السفن، تحت عناوين مختلفة. وفي جوهرها، سواء سُميت رسوماً أو “مساهمات” أو أي توصيف آخر، فهي تصطدم مباشرة مع مبدأ قانوني واضح: لا يجوز فرض أي مقابل مالي على مجرد المرور في مضيق دولي، إلا إذا كان مقابل خدمات ملاحية ضرورية ومحددة، وبشكل غير تمييزي وشفاف.

21267.jpg

تحويل مضيق هرمز إلى نقطة ابتزاز مالي أو سياسي يعني عمليًا إعادة تعريف القانون الدولي بالقوة، وإخضاع حرية الملاحة لمنطق السيطرة الجغرافية، وهو ما ينسف أحد أهم أعمدة النظام الاقتصادي العالمي.

الأخطر من ذلك أن التهديد بإغلاق المضيق نفسه يُستخدم كأداة ضغط سياسي، وكأن العالم يمكن أن يُخضع لشروط طرف واحد يتحكم في عنق زجاجة الطاقة العالمية. هذا ليس مجرد خلاف سياسي، بل مساس مباشر ببنية النظام الدولي الذي يقوم على استقرار طرق التجارة البحرية.

في المقابل، يظهر الفارق بوضوح عندما ننتقل إلى قناة السويس. فهنا نحن أمام نموذج مختلف جذريًا: ممر مائي اصطناعي خالص شُقّ داخل الإقليم السيادي المصري، وتديره دولة واحدة بكامل إرادتها وسيادتها. لذلك فإن فرض رسوم عبور في قناة السويس ليس فقط مشروعًا، بل هو امتداد طبيعي لحق السيادة على منشأة أنشأتها الدولة وأدارتها.

هذا التمييز بين المضائق الطبيعية الدولية والقنوات الاصطناعية السيادية هو جوهر العدالة القانونية في النظام البحري:
الأول لا يُستملك ولا يُحتكر ولا يُفرض عليه إتاوة.
والثاني يُدار ويُنظَّم ويُفرض عليه رسم مقابل خدمة سيادية مشروعة.

أما مضيق باب المندب، فهو بدوره مثال صارخ على هشاشة التوازن بين الجغرافيا والقانون. فهو شريان يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر بوابة قناة السويس، وأي اضطراب فيه يعني اختناقًا مباشرًا في واحد من أهم خطوط التجارة العالمية. ومع ذلك، فإنه يخضع لنفس المبدأ القانوني: حرية الملاحة لا تُمس، ولا يجوز تحويله إلى نقطة ابتزاز سياسي أو اقتصادي.

إن الخلاصة الصارخة هنا أن العالم يقف أمام اختبار حقيقي:
إما أن يبقى القانون الدولي هو الحاكم الفعلي للممرات البحرية، أو تتحول المضائق إلى أدوات ضغط في يد القوى المتشاطئة، حيث تُفرض الرسوم بالمنطق السياسي لا بالقانون، ويُهدَّد الإغلاق بدل احترام حرية العبور.

ومضيق هرمز تحديدًا هو النموذج الأكثر خطورة في هذا الاختبار، لأنه يضع العالم أمام سؤال مباشر:
هل تُحترم حرية الملاحة كحق دولي ثابت؟ أم تُترك رهينة لجغرافيا قابلة للتسييس والابتزاز في أي لحظة؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مستقبل مضيق، بل تحدد شكل النظام البحري العالمي بأكمله.