--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

مضيق هرمز يعود إلى الواجهة: حين تتحول الجغرافيا إلى مشروع نظام عالمي جديد

Salah Kirata • ٢٧‏/٣‏/٢٠٢٦

16369.jpg

مضيق هرمز يعود إلى الواجهة: حين تتحول الجغرافيا إلى مشروع نظام عالمي جديد:

في لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي، لا تكون التحركات العسكرية أو الدبلوماسية مجرد ردود أفعال على أزمة عابرة، بل إشارات مبكرة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة نفسها. وهذا بالضبط ما يمكن قراءته في التحرك الفرنسي الأخير، حيث قاد رئيس أركان الجيش الفرنسي مشاورات مع 35 دولة حول مستقبل مضيق هرمز وإعادة فتحه وتأمينه.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر كأنه مبادرة تقنية تتعلق بممر ملاحي استراتيجي تعرّض للاضطراب. لكن القراءة الأعمق تكشف أن ما يجري يتجاوز بكثير فكرة “تأمين الملاحة”، ليصل إلى محاولة إعادة هندسة الأمن البحري في الخليج، وإعادة تعريف من يملك حق إدارة شرايين الطاقة في العالم.

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق بين ضفتين متقابلتين، بل هو عقدة مركزية في الجغرافيا السياسية للطاقة العالمية. عبره يمر جزء حاسم من إمدادات النفط والغاز التي تغذي آسيا وأوروبا، وأي خلل فيه لا يبقى محصورًا في الإقليم، بل يرتد مباشرة على أسعار الطاقة، ومعدلات التضخم، واستقرار الاقتصاد العالمي. لذلك، فإن الحديث عن “إعادة فتحه” لا يمكن فصله عن سؤال أوسع: من يملك قرار الإغلاق أصلًا، ومن يملك قرار الفتح؟

هنا تحديدًا يدخل التحرك الفرنسي إلى قلب المشهد. فرنسا، التي طالما سعت إلى تثبيت موقعها كقوة أوروبية مستقلة داخل النظام الدولي، تبدو اليوم وكأنها تحاول لعب دور “المنسّق الأمني الدولي” بدل الاكتفاء بالظل الأطلسي التقليدي. فهي لا تتحرك وحدها، بل تدفع باتجاه تشكيل إطار متعدد الجنسيات يضم 35 دولة، في محاولة واضحة لتحويل الملف من صراع إقليمي حساس إلى مشروع دولي جماعي.

هذا التدويل ليس تفصيلًا تقنيًا، بل هو جوهر الفكرة. فكلما اتسعت دائرة المشاركين، تقلصت مسؤولية الأطراف الفردية، وتوزعت الكلفة السياسية والعسكرية، وتراجع احتمال أن يُقرأ أي تحرك على أنه مواجهة مباشرة بين طرفين بعينهما. إنها هندسة سياسية دقيقة هدفها الأول إدارة المخاطر، لا حل جذور الأزمة.

لكن في العمق، هناك رسائل متعددة الاتجاهات. إلى إيران، يحمل هذا الحراك إشارة واضحة مفادها أن المضيق لن يبقى ساحة ضغط أحادية، وأن أي محاولة لاستخدامه كورقة استراتيجية ستواجه ردًا متعدد الأطراف لا يمكن احتواؤه بسهولة. وإلى الولايات المتحدة، يحمل رسالة مختلفة: أن أوروبا، أو على الأقل فرنسا، لم تعد راغبة في الاكتفاء بدور الشريك التابع، بل تسعى إلى صياغة مبادرات أمنية مستقلة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

أما على مستوى الأسواق العالمية، فالفكرة بحد ذاتها تحمل وظيفة تهدئة. مجرد الحديث عن قوة دولية قادرة على “إعادة فتح المضيق” يرسل إشارة إلى أسواق الطاقة بأن هناك تصورًا لإعادة الاستقرار، حتى لو كان التنفيذ لا يزال بعيدًا أو معقدًا.

لكن هذه الصورة الطموحة تصطدم بجدار من التعقيدات الواقعية. فالمبادرات متعددة الأطراف بهذا الحجم كثيرًا ما تتعثر عند أول اختبار جدي بسبب اختلاف المصالح بين الدول المشاركة. كما أن السؤال القانوني يبقى مفتوحًا: تحت أي مظلة ستعمل هذه القوة؟ الأمم المتحدة؟ تحالف طوعي؟ أم صيغة هجينة لا تزال غير واضحة المعالم؟

ثم هناك العنصر الأكثر حساسية: رد الفعل الإقليمي، وخاصة من إيران، التي تنظر إلى أي وجود عسكري واسع في محيط المضيق باعتباره جزءًا من معادلة ردع موجهة ضدها، لا مجرد عملية “تأمين ملاحة”. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول فكرة “فتح المضيق” من مشروع استقرار إلى نقطة احتكاك إضافية في بحر أصلاً مشحون بالتوتر.

إن السيناريوهات مفتوحة على أكثر من اتجاه: نجاح تدريجي عبر قوة بحرية مشتركة تخفف التوتر دون صدام مباشر، أو تجميد المبادرة بسبب تباين المصالح، أو الأسوأ، انزلاق تدريجي نحو احتكاكات بحرية متكررة تعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.

في النهاية، ما يجري في مضيق هرمز ليس مجرد نقاش حول أمن ممر ملاحي، بل هو فصل جديد من الصراع على شكل النظام الدولي نفسه: هل يبقى أمن الممرات الحيوية بيد القوى الإقليمية المتصارعة؟ أم يُنقل تدريجيًا إلى إطار دولي متعدد الأطراف يعيد رسم خرائط النفوذ من جديد؟

بين هذين السؤالين، تتحرك فرنسا ومعها 35 دولة، في مساحة رمادية دقيقة، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة، وتتحول الممرات البحرية إلى مفاتيح لصياغة عالم مختلف.