
مفاوضات في الظل: انتصار إعلامي وخسارة استراتيجية بلا حسم
لا يستطيع أي مراقب جاد لمسار المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، مع حضور فاعل ومؤثر لإسرائيل كطرف غير معلن لكنه حاضر في الحسابات والتوازنات، أن يدّعي امتلاك صورة دقيقة أو نهائية لما يجري خلف الكواليس. فهذه ليست مفاوضات تقليدية يمكن فيها تتبع خطوط واضحة بين مطالب ونتائج، بل هي مسار شديد التعقيد تتداخل فيه الرسائل السياسية مع الإشارات العسكرية، وتختلط فيه الدبلوماسية بالردع، والتصعيد بالتهدئة المؤقتة.
ما يصل إلى الرأي العام لا يتجاوز في حقيقته سوى جزء محدود ومجتزأ من المشهد الكامل: تصريحات محسوبة بدقة من كل طرف، وتسريبات مقصودة، ورسائل إعلامية تهدف إلى تشكيل الانطباع أكثر مما تهدف إلى كشف الحقيقة. ولذلك يبدو كل طرف في خطابه العلني وكأنه حقق مكاسب واضحة أو فرض شروطه على الطرف الآخر. غير أن هذا الانطباع لا يصمد كثيراً أمام قراءة استراتيجية هادئة ومتجردة من ضجيج الإعلام.
فالواقع أن كل الأطراف تمارس نوعاً من “الانتصار الإعلامي”، لكنها لم تصل حتى اللحظة إلى “انتصار استراتيجي” حاسم. لا الولايات المتحدة تمكنت من فرض معادلة نهائية مستقرة، ولا إيران استطاعت تحويل مكاسبها الإقليمية إلى اعتراف دولي شامل أو وضع تفاوضي نهائي، ولا حتى إسرائيل نجحت في فرض بيئة إقليمية محسومة وفق رؤيتها الأمنية المطلقة. الجميع يتحرك داخل دائرة ردع معقدة، حيث القدرة على الإيذاء قائمة، لكن قرار الحسم مكلف إلى درجة تمنع الوصول إليه.
الولايات المتحدة تحاول إدارة توازن دقيق بين منع انفجار إقليمي شامل والحفاظ على نفوذها ومصداقيتها كقوة ضامنة للأمن في المنطقة. وإيران تسعى إلى تثبيت حضورها الإقليمي وتوسيعه تدريجياً دون الانزلاق إلى حرب شاملة تستنزف بنيتها الداخلية. أما إسرائيل فتتحرك بوصفها عاملاً ضاغطاً ومؤثراً، يراقب ويضرب ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك عبر أدوات محسوبة، دون الدخول في مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.
لكن النتيجة الأهم أن هذا التوازن الهش لا ينتج استقراراً حقيقياً، بل ينتج حالة طويلة من اللااستقرار المنضبط، حيث تستمر التوترات دون انفجار شامل، وتبقى الملفات مفتوحة دون تسوية نهائية. وفي مثل هذا النوع من التوازنات، لا يوجد رابح حقيقي، بل أطراف تتبادل الاستنزاف بنسب متفاوتة، وخسائر تتراكم ببطء ولكن بثبات.
أما العبء الأكبر في هذه المعادلة، فإنه لا يقع على الأطراف المباشرة فقط، بل يمتد إلى الإقليم بأكمله، وعلى وجه الخصوص دول مجلس التعاون الخليجي. فهذه الدول تجد نفسها في قلب ارتدادات الصراع دون أن تكون هي صانعة قراره، وتتحمل تبعاته الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. من تقلبات أسواق الطاقة، إلى إعادة تشكيل الأولويات الدفاعية، إلى الضغوط الجيوسياسية المتزايدة، تتحول هذه الدول إلى الساحة الأكثر تأثراً بنتائج صراع لم تحدد قواعده لكنها تعيش تداعياته اليومية.
وهكذا، فإن جوهر المشهد لا يقوم على ثنائية منتصر ومهزوم، بل على حالة طويلة من اللاحسم. حالة يبدو فيها الجميع رابحاً في خطابه الإعلامي، وخاسراً في تراكمه الاستراتيجي. ومع استمرار هذه الحالة، تتعمق كلفة الاستنزاف، وتصبح المنطقة بأكملها رهينة توازن هش، لا هو حرب شاملة تنتهي، ولا هو سلام مستقر يُبنى عليه مستقبل واضح.