--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

من البرج العاجي إلى صدمة الحقيقة السورية

Salah Kirata • ٣١‏/٥‏/٢٠٢٦

40974.jpg


من البرج العاجي إلى صدمة الحقيقة السورية...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية...

اعترف:
اني لم أكن يوماً من خصوم حافظ الأسد، لكن بذات الوقت لم أكن للحظة ممن والوا بشار الأسد وكنت انظر إليه دوما كـ ( ولد حكم بلد ) وأنه لم يكن يمتلك من المؤهلات ما تؤهله أن يحكم بلدا كسورية إلا أنه ابن لـ ( حاخامها ) الأكبر الأسد الأب ...

لكن بالنسبة لحافظ الأسد على العكس، كنت من أكثر المؤمنين بعهده ضمن حدود المسؤوليات والمهام التي أوكلت إليّ...
 لم تكن لي معه مشكلة شخصية أو سياسية في أي مرحلة من المراحل، لا اخفي اني تجاوزت كل ما قيل عن نكسة حزيران 1967 وعلاقته بها، وكذا كنت قد تجاوزت ما قيل عن انقلابه على رفاقه في الحزب والدولة، واعتبرت أن لكل مرحلة ظروفها وحساباتها التي يعرفها أهلها أكثر من غيرهم...

لكن اللحظة التي بدأت فيها القطيعة كانت عندما بدأ تعطيل مؤسسات الحزب ومؤتمراته، يومها بدا واضحاً بالنسبة لي أن الأمر لم يعد متعلقاً بإدارة الدولة أو حماية النظام، بل بتمهيد الطريق لتوريث الحكم داخل العائلة، عند تلك النقطة تحديداً اصطدمت قناعاتي بجدار الواقع، وشعرت أن سورية تُسحب من الدولة إلى النسب، ومن المؤسسات إلى العائلة، هناك بدأت الخصومة السياسية والفكرية، بل وصلت في داخلي إلى حد التخوين، ومع ذلك لم أكن أملك الجرأة الكافية لأقول ما أعتقده أو أعبر عنه علناً، إلا في حدود ضيقة جدا...

قبل مغادرتي سورية كنت أنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها مجرد "علاك" وقتل للوقت، مساحة للتفاهة والثرثرة أكثر منها مساحة للفكر والمعرفة، ولذلك كنت أمنع استخدامها في أي موقع عمل أمتلك فيه صلاحية اتخاذ القرار، وكنت أعتبر الحديث عن الحريات المرتبطة بها نوعاً من المبالغة...

كنت أزعم أنني أعرف السوريين جيداً، بحكم عملي وبعض المهام التي كُلِّفت بها، لكن كنت أقول دائماً واحيانا بشكل مذكرات وأشياء مكتوبة بل اعليت الصوت في مؤتمرات حزبية وكنت اشير إلى إن الشعب السوري ممسوك أكثر مما هو متماسك، وإن القبضة الأمنية هي التي تضبط التناقضات الكامنة في المجتمع، وكنت أعتقد أن أي ارتخاء في تلك القبضة قد يكشف أموراً لم تكن ظاهرة للعيان...

لكن ما حدث لاحقاً كان صدمة حقيقية بالنسبة لي:

حين انخرطت في وسائل التواصل الاجتماعي وجدت نفسي أمام عالم افتراضي مرعب وخطير، عالم أجبرني على مراجعة كل ما كنت أظنه معرفة، اكتشفت أنني، إذا صح التعبير، كنت أعيش في برج عاجي، وأن كل ما اعتقدت خلال أكثر من أربعين عاماً أنه فهم عميق للمجتمع السوري لم يكن سوى قشور، لقد أدركت أنني، رغم حياتي العامة الطويلة، لم أكن أعرف السوريين كما كنت أتصور...

هذا لا يعني أنني كنت غافلاً تماماً عما يجري في المجتمع، كوني كنت أنظر بقلق إلى بعض ما يجري في المساجد تحت عنوان الدروس الدينية، وقد نبهت مراراً إلى ظاهرة لافتة؛ إذ كنت أرى أساتذة جامعات، وأصحاب شهادات عليا، ومثقفين، ومهنيين، بل وحتى طلاباً صغاراً، يجلسون في حلقات الدروس الدينية، وكأنهم يخلعون علومهم ومعارفهم عند الباب، كان أي نقاش ينتهي عند عبارة واحدة: "قال شيخي". عندها كانت الشهادة العلمية والمعرفة الأكاديمية تتراجعان أمام سلطة الشيخ وهيبته...

في الفترة الأخيرة بدأت بعض مقالاتي تحقق انتشاراً واسعاً، ووصل بعضها إلى ما يقارب المليون مشاهدة، ولم أكتب يوماً بصفتي متديناً مصطفاً مع تيار ديني، ولا ملحداً معادياً للدين، بل باحثاً ومحللاً يحاول فهم ما يجري، لكن التعليقات التي كنتو اتلقاها كانت كافية لكي تكشف لي الكثير من طبائع المجتمع السوري وسماته، بعض تلك التعليقات لم تكن لتناقش الفكرة، بل كانت تناول شرفي وعرضي وكرامتي الشخصية...
مثلا:
يوم امس أعتقد بعض الرعاع اني أتحدث عن الدكتور بشار الجعفري، علما كنت استأنس بكلام كمرجعية لحدث (حالًٍ) وهو فيضان نهر الفرات...  

نتيجة هجوم البعض قلت كلاما صريحا واضحا لا أخشى إعلانه بل أقوله على رؤوس الأشهاد بالفيه الملآن وبفصيح اللسان كلاماً ما زلت أؤمن به: 
لو كنت مكان الدكتور بشار الجعفري، وربما أي مواطن آخر في موقعه، لفعلت ما فعله وربما أكثر. عندما تكلفك الدولة بمهمة رسمية فأنت مؤتمن على تمثيلها والدفاع عن مواقفها...
قد يختلف الناس مع تلك المواقف أو مع النظام الذي تمثله، لكن من يتولى المهمة ثم لا يؤديها كما كُلِّف بها يكون خائناً للأمانة التي أُوكلت إليه...

ومن هنا أصل إلى خلاصة موقفي.

لم تكن الأحداث التي بدأت كنتيجة لكذبة بعتمة ليل في مدينة درعا، لم تكن كما سمي بالثورة في آذار 2011. ومع ذلك لا أنكر على السوريين، بمن فيهم البعثيون أنفسهم، حقهم في الغضب والاعتراض والتمرد، فجريمة التوريث كانت في نظري خيانة كبرى بحق سورية والسوريين، وضربة قاسية لفكرة الدولة والمؤسسات...

لكنني أعتقد أن ما جرى بعد ذلك لم يكن ثورة وطنية خالصة بقدر ما كان جزءاً من مشروع أكبر لإعادة تشكيل المنطقة تحت عنوان "الشرق الأوسط الجديد"، كما أعتقد أن التنظيمات الإسلامية السياسية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين وكل التيارات التي خرجت من عباءتها أو تأثرت بفكرها، كانت القوة الأساسية التي دفعت بالجماهير نحو الشارع وقادت المشهد الشعبي والسياسي...

ولذلك أرى أن البعد الديني والطائفي كان عاملاً حاسماً في تحريك الشارع السوري، واليوم، بعد أن تنفس الإسلاميون الصعداء ووصلوا إلى مساحة أوسع من التأثير، أصبح كثير منهم يتحدثون صراحة عما  يعتقدون ولا يعلنوه صراحة بـ "الثورة الإسلامية السورية"، وهذا يؤكد بالنسبة لي أن الدافع لم يكن وطنياً صرفاً كما قيل في البداية...

الأخطر من ذلك أن كثيرون من ابناء هذه التيارات ظهر انها تؤمن بمنطق الغلبة لا بمنطق المواطنة، وتتعامل مع السلطة باعتبارها حقاً طبيعياً لها، وهي، في تقديري، تنظر إلى نفسها بوصفها الجماعة الأحق بالحكم، فيما يُنظر إلى بقية مكونات المجتمع على أنهم رعايا داخل دولة يحكمها المنتصر لا مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات...

تلك هي الخلاصة التي وصلت إليها بعد رحلة طويلة من المراجعة والصدمة وإعادة النظر، رحلة بدأت من الثقة المطلقة بما كنت أعتقد أنني أعرفه عن سورية، وانتهت بقناعة مؤلمة مفادها أن معرفة الدولة بالمجتمع شيء، ومعرفة المجتمع بنفسه شيء آخر تماماً...

ملاحظة :
الرموز التي قادت الحرب ومن ثم خرجت بمعرفة وتحت عين مقاتلي هيئة تحرير الشام، لم يكونوا يدافعوا عن وطن بقدر ما كانوا يحافظوا على مصالح وامتيازات ومكتسبات...
أما من اجرمو بحق سورية والسوريين من جهة النظام فهم أما:
- مغرر بهم وأنهم فعلا يدافعون عن وطنهم يواجه إرهابا ...
- أو غوغاء كانوا قد صدقوا رواية آل الأسد أنهم هم حموهم وأنهم برحيلهم ستسحقهم الأكثرية السنية، لأن العزف على المظلومية كان يتم بخبث وبمكر ودهاء...
واضيف:
من له عمر سوف يرى كيف سيدافع إسلاميوا العهد الحالي أن تعرض عهدهم لخطر، هل سيراعون الله بخلقه.