
من الدولة إلى “المزرعة”: عندما يُختزل الوطن في شبكة ولاءات.
لم تكن فكرة الدولة يوماً مسألة شعارات أو نصوص دستورية فحسب، بل كانت دائماً امتحاناً حقيقياً لطبيعة السلطة، ولمدى التزامها بفصل العام عن الخاص. غير أن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي دولة هو أن تتحول من كيان مؤسساتي إلى كيان تُدار فيه شؤون الناس بمنطق العائلة، وكأن الوطن إرثٌ خاص، لا عقدٌ اجتماعيّ قائم على المساواة والعدالة.
قبل سنوات طويلة، وفي أحد المنتديات الفكرية التي كان يُفترض أن تُصغي للكلمة لا أن تُعاقبها، أطلق الدكتور عارف دليلة توصيفاً صريحاً وصادماً لما آل إليه واقع الدولة. يومها، لم تكن الجملة مجرد رأي، بل كانت تشريحاً دقيقاً لبنية حكم تتخفّى خلف شعارات كبيرة، بينما تُدار فعلياً بمنطق ضيق: الولاء قبل الكفاءة، والانتماء قبل الحق، والقربى قبل القانون. وقد دفعت الكلمة ثمنها غالياً، إذ وجد صاحبها نفسه خلف القضبان لسنوات، وكأن المشكلة لم تكن في الواقع نفسه، بل في من تجرأ على تسميته.
كنت حاضراً في تلك اللحظة، ولم أكن وحدي. كان إلى جانبي من هو أعلى مني رتبة ومكانة، في موقع قيادي يفرض عليه التقدير والانضباط. وعندما طُلب مني الرد على ما قيل، كان الموقف أشبه باختبار أخلاقي بقدر ما هو نقاش سياسي. نظر إليّ المسؤول وقال: “أجب”. لم يكن السؤال بسيطاً، فالموقف كان محمّلاً بتوازنات دقيقة، لكنه كان في جوهره سؤالاً عن الحقيقة.
ابتسمت، وقلت على نحو أقرب إلى المزاح منه إلى الجد:
“إن أجبت، فلن يكون جوابي إلا تأكيداً لما قيل.”
تدخل معلمي، وهو يعلم ما أقصد، وقال مبتسماً:
“ابقَ صامتاً، فذلك أبلغ.”
لم تكن تلك اللحظة مجرد طرفة عابرة، بل كانت دليلاً على أن الحقيقة، عندما تكون واضحة، لا تحتاج إلى دفاع، بل يكفي أن تُترك لتقول نفسها. ومع ذلك، فإن المشكلة لم تكن يوماً في وضوح الحقيقة، بل في قدرة السلطة على التعايش معها.
اليوم، وبعد كل ما مرّ به السوريون، يبدو أن منطق “المزرعة” لم يختفِ، بل تغيّر شكله. فبدلاً من أن يكون محصوراً في أسماء بعينها، أصبح قابلاً لإعادة الإنتاج تحت عناوين مختلفة. قد تتغير الوجوه، وقد تتبدل الخطابات، لكن المنطق يبقى ذاته: إدارة الشأن العام وكأنه امتداد لبيت كبير، تُوزَّع فيه المواقع وفق القرب، لا وفق الاستحقاق.
الخطر الحقيقي لا يكمن في الأشخاص، بل في استمرار البنية التي تسمح لهم بالتحكم. فحين تتحول الدولة إلى شبكة مغلقة، تُدار بالثقة الشخصية لا بالأنظمة، وبالانتماء لا بالقانون، تصبح المؤسسات واجهات شكلية، بينما تُدار القرارات في دوائر غير مرئية.
هذه العقلية لا تقتصر على السياسة وحدها، بل تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، فتُبرر الخطأ باسم الانتماء، وتُخفف من خطورة الجرم بحجة الحفاظ على “السمعة”، وتُقدَّم المصلحة الخاصة على حساب العدالة العامة. وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية، حين يصبح القانون قابلاً للتأويل حسب القرب، لا حسب النص.
الدولة التي تستحق هذا الاسم لا تقوم على الترضيات، ولا على المحاصصات، ولا على العلاقات الشخصية. بل تقوم على مبدأ بسيط لكنه عميق: أن الجميع متساوون أمام القانون، وأن الوظيفة العامة مسؤولية، لا امتيازاً، وأن الكفاءة هي المعيار الوحيد للارتقاء.
ما لم يتم كسر هذه الحلقة، سيبقى أي تغيير مجرد إعادة ترتيب للواجهة، بينما تبقى البنية الداخلية على حالها. وعندها، لن يكون ما نشهده انتقالاً نحو الدولة، بل استمراراً لشكل آخر من أشكال ما سبق، بثوب جديد، ولغة مختلفة، لكن بذات الروح القديمة.
إن بناء الدولة لا يبدأ بتغيير الأسماء، بل بتغيير الذهنية التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمؤسسة، وبين المسؤول والمجتمع. دولة تُدار بالقرابة لا يمكن أن تنتج عدالة، ودولة تُدار بالولاء لا يمكن أن تنتج كفاءة، ودولة تُدار بالاستثناءات لا يمكن أن تبني قانوناً.
في النهاية، ليست المشكلة في أن يقول أحد الحقيقة، بل في قدرة المجتمع على تحملها. فالحقيقة، مهما كانت قاسية، تبقى الطريق الوحيد نحو دولة حقيقية، لا تُدار كملكية خاصة، بل كعقدٍ جامع بين مواطنين متساوين، يربطهم قانون واحد، ومصير واحد.