
من “الحركة التصحيحية” إلى الدولة الأمنية:
كيف أعاد حافظ الأسد تشكيل حزب البعث والدولة السورية:
إذا أردنا قراءة تجربة حافظ الأسد بعمق، علينا تجاوز الرواية الرسمية التي قدّمت “الحركة التصحيحية” عام 1970 كحدث إنقاذي، لننظر إليها بوصفها لحظة فاصلة أنهت فعلياً الحياة الحزبية، وأعادت صياغة الدولة والمجتمع والسياسة في سوريةكلها. فهي لم تكن مجرد انقلاب عسكري على قيادة الحزب، بل تحول شامل في موازين السلطة وأدوات الحكم، أدى إلى تركيز القرار في يد فرد واحد وإلغاء دور مؤسسات الحزب التقليدية، حتى أصبح ما يُعرف اليوم بالنظام السوري المستبد ناتجاً مباشرًا عن هذا التحول...
قبل انقلاب 1970، كان حزب البعث يعيش مرحلة صراع داخلي حاد، لكنها لم تمنع استمرار العمل المؤسساتي، فقد عقد الحزب عشر مؤتمرات قومية عادية وأكثر من مؤتمر استثائي كلما دعت ظروف الحزب ذلك، قبل هذا العام، مما يعكس حيوية سياسية نسبية ونقاشاً داخلياً مهما، كما عقد خمسة مؤتمرات قطرية منذ عام 1963، أي منذ تولي البعث الحكم في سورية، لتشكل أطر النقاش التنظيمي الأساسي. ومع ذلك، شهد هذا الحراك صراعات كبرى على السلطة، أبرزها بين تيار حافظ الأسد وتيار صلاح جديد ونور الدين الأتاسي، الذين كانوا يشكلون قيادة الحزب والبلاد قبل عام 1970.
التحالف المؤقت بين حافظ الأسد وصلاح جديد أنهى بصورة مؤلمة لاحقاً، إذ تم سجن جديد حتى وفاته، فيما أُبعد وأُحيل إلى السجن عدد من أعضاء القيادة، من بينهم نور الدين الأتاسي، الذي كان يشغل في الوقت نفسه منصب رئاسة الجمهورية والأمبن العام لحزب البعث العربي الاشتراكي، هذه الخطوة لم تكن مجرد تصفية خصوم سياسيين، بل كانت بداية إعادة تعريف السلطة في سورية، اقصد من حزب كإطار جماعي ومتعدد المراكز، إلى دولة مركزية محكومة بأجهزة أمنية...
فبعد عام 1970، بدأ الحزب يفقد حيويته الداخلية تدريجياً، فعدد المؤتمرات القومية قلّ إلى مؤتمرين اثنين، قبل أن يتوقف بعد المؤتمر الثالث عشر عام 1980، فيما تقلصت المؤتمرات القطرية، حيث لم يُعقد سوى ثلاثة مؤتمرات بين عام 1970 وعام 2000، وتم تعليقها رسمياً بعد المؤتمر القطري الثامن عام 1985، وقد أرجع بعض المراقبين هذا التعطيل إلى “الجرأة في الطرح” التي ظهرت خلال النقاشات الداخلية، إذ طرح الحزب مواضيع وأفكاراً لم يكن الأسد راغباً في سماعها، ومنها ما قلته أنا في إحدى جلسات المؤتمر المسائية...
ولم يتوقف التحول عند هذا الحد، فقد كانت العضوية العاملة للحزب تتطلب سابقاً المرور بخمس مراحل صارمة، شملت الانضمام إلى دورات العمل الفدائي وأداء عمليات داخل الأراضي المحتلة، مع وجود “حرس قومي” يؤمن بأهداف الامة وملتزم بقضاياها ومناضلا لتحقيق أهدافها،ومع صعود حافظ الأسد، أخذت هذه البنية النضالية في التراجع، وتم استبدالها بهياكل ولاء سياسي شخصي، بما في ذلك تشكيل وحدات عسكرية موازية، مثل سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد، التي كانت مرتبطة مباشرة بالقيادة العليا، بدل باقي فرق الجيش العربي السوري الذي أصبح أقل تأثيراً على صنع القرار...
كما شهدت الفترة منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات تفرد الأسد بالسلطة، حيث بدأ يظهر بوضوح أن الدولة لم تعد خاضعة للمؤسسات الحزبية أو للجمعيات الوطنية، بل للقرارات الشخصية ضمن دائرة ضيقة للغاية، هذه المرحلة تزامنت مع الصدام الدموي مع جماعة الإخوان المسلمين، والذي بلغ ذروته في الثمانينيات. ومن المهم فهم هذا الصدام ليس فقط كصراع أيديولوجي، بل أراه شخصيا ومن موقعي في قلب الحزب ومن طبيعة عملي أنه جاء كنتيجة، اما لاتفاق تم بين حافظ الأسد وقيادات اخوانية، أو تم استدراجهم بطرائق مخابراتية جهنمية ربما حيكت في مكتب الأمن القومي على مرأى ومسمع وبتوجيه من حافظ الأسد فهو كان يريد أمرين :
- ايجاد المبرر والذريعة تمهيدا للتفرد بالحكم والتخلص من كل مناويء ولو محتمل امثال ناجي جميل، عبد الرحمن خليفاوي وهكذا، والتفرغ دون إعاقة لمشروعه في توريث الحكم...
- ولا استبعد أنه أراد استدراج هؤلاء قبل أن يكونوا أقوياء ويمكنهم مواجهة النظام لأنه مع الزمن سيترهل لأن حافظ سيموت ويريد أن يحكم سورية، من قبره، وخلال هذه الفترة ستكون الجماعة قد، فهو أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد وهذا ماحدث تفرد بالسلطة وسحق الجماعة وجرمها بالقانون ٤٩ الذي قضى بإعدام اي من اعضائها، كما فعل تماما مع كوهين الذي رشحه كأفضل شخصية تخدم المشروع الصهيوني الذي لن يعارضه عمليا إلا سورية والعراق كون الحزب يحكم البلدين، وبعد ذلك اعدمه كي يسكته إلى الابد...
وطبعا معلوم هنا أن كل الجماعات التي اتخذت العنف المسلح، من تيارات جهادية خلال الحرب السورية، كلها ذات جذور تنظيمات ولدت من خاصرة الجماعة مثل القاعدة، داعش، جبهة النصرة، وهيئة تحرير الشام، تأثرت بدرجات متفاوتة بالبيئة الفكرية والتنظيمية التي نشأت في سياق الجماعات الإسلامية المعارضة للنظام...
عموماً:
لم يقتصر الأمر على السياسة والحزب، بل امتد إلى الاقتصاد والمجتمع، فقد تشكّلت بعد الثمانينات شبكة مصالح جديدة مرتبطة مباشرة بالسلطة، ضمت ضباطاً، تجاراً، وبيروقراطيين، ما ساهم في استقرار النظام على حساب الحيوية السياسية، وزاد من قوة الدولة الأمنية، هذا التحول جعل من سورية دولة مغلقة مركزياً، حيث تصبح المؤسسات مجرد أغطية للسلطة الفعلية، ويُتخذ القرار بعيداً عن أي إشراف حزبي أو جماهيري حقيقي...
في الوقت نفسه، ساهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، إذ جرى استبعاد أي صوت مستقل، وتهميش العمل السياسي القانوني، ما أفرغ الحياة العامة من نشاطها السياسي الطبيعي، وزاد من ميل المجتمع نحو أنماط المقاومة السرية أو المسلحة لدى أي معارضة راديكالية...
إن قراءة هذه الفترة من عام 1970 حتى الثمانينيات، مع النظر إلى إرثها اللاحق، تثبت أن “الحركة التصحيحية” لم تكن مجرد انقلاب على قيادة حزب، بل إعادة تعريف للسياسة نفسها في سورية، من فعل جماعي يُدار عبر مؤسسات متعددة، إلى قرار يُصنع داخل دائرة ضيقة للغاية، هذا التحول، بكل تداعياته السياسية والأمنية والاجتماعية، ما زال يلقي بظلاله على المشهد السوري حتى اليوم، ويعطي تفسيراً لكثير من الظواهر الراهنة في الدولة والمجتمع، بما في ذلك صعود التنظيمات المسلحة والفراغ المؤسساتي.