
من القاعدة إلى الحكم: أسئلة الشرعية والشفافية في التجربة السياسية الجديدة في سورية.
تشهد الساحة السورية اليوم جدلاً متصاعداً حول طبيعة التحول السياسي الذي قاد أحمد الشرع إلى موقع السلطة، وحول مدى قدرة هذا التحول على إنتاج نموذج حكم مختلف فعلاً عن المراحل السابقة، سواء على مستوى الفكر أو البنية أو الممارسة.
في أكثر من تصريح علني، أشار الشرع إلى عدم اقتناعه بفكر تنظيم القاعدة، رغم أنه أمضى أكثر من أحد عشر عاماً ضمن صفوفه. هذا الاعتراف، مهما كان سياقه، لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً عابراً، بل بوصفه مدخلاً لسؤال أوسع يتعلق بطبيعة الانخراط الطويل في تنظيم أيديولوجي مغلق، وكيفية الانتقال منه إلى موقع قيادة دولة يفترض أنها تسعى إلى تأسيس شرعية جديدة.
إن الإشكال لا يكمن في التحول بحد ذاته، بل في غياب سردية واضحة ومقنعة تشرح هذا التحول، وتحدد حدوده الفكرية والسياسية، وتوضح كيف انعكس فعلياً على بنية القرار داخل السلطة الجديدة. فالثقة السياسية لا تُبنى على التصريحات، بل على الوقائع المؤسسية القابلة للقياس والمساءلة.
ويزداد هذا الإشكال تعقيداً عندما يُنظر إلى البنية المحيطة بصانع القرار، حيث يرى كثير من المراقبين استمرار حضور شخصيات ذات خلفيات قريبة من نفس البيئة التنظيمية السابقة، ما يثير تساؤلات حول مدى حدوث قطيعة فعلية مع الماضي، أو إعادة تموضع ضمن إطار جديد مع احتفاظ بجزء من البنية الفكرية والتنظيمية السابقة.
في موازاة ذلك، تتزايد في الشارع السوري قضايا تتعلق بشبهات فساد واستغلال نفوذ يتم تداولها عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، من دون أن يقابلها حتى الآن مسار واضح وشفاف من التحقيق أو إعلان نتائج رسمية. هذا الغياب المؤسسي للمساءلة يترك فراغاً كبيراً في الثقة بين الدولة والمجتمع، ويفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات.
كما أن الخطاب الاقتصادي الرسمي، الذي يتحدث عن استثمارات بمليارات الدولارات ومشاريع استراتيجية كبرى، لا يجد انعكاساً واضحاً على مستوى المعيشة اليومية للمواطن السوري. هذه الفجوة بين الخطاب والواقع تُضعف مصداقية الأرقام المعلنة، وتطرح تساؤلات حول طبيعة السياسات الاقتصادية وأولوياتها.
إن أي مشروع سياسي يسعى إلى تثبيت نفسه في مرحلة ما بعد الحرب لا يمكنه تجاوز سؤال الشفافية. فالمجتمعات الخارجة من الصراع تحتاج إلى وضوح في آليات الحكم، وإلى مؤسسات قادرة على محاسبة الجميع دون استثناء، وإلى إعلام لا يتردد في طرح الأسئلة الصعبة، بل يجد لها إجابات رسمية وواضحة.
كما أن الحديث عن دستور جديد وانتخابات مستقبلية يبقى ناقصاً ما لم يُسبق بمرحلة تأسيسية تقوم على بناء الثقة، لا على إدارة الغموض. فالدساتير ليست نصوصاً قانونية فقط، بل تعبير عن عقد اجتماعي يتطلب قدراً عالياً من المصداقية بين السلطة والمجتمع.
في المحصلة، لا يتعلق الجدل الدائر اليوم بشخص الرئيس بقدر ما يتعلق بطبيعة المشروع السياسي نفسه: هل هو انتقال حقيقي نحو دولة مؤسسات شفافة وقابلة للمساءلة، أم مجرد إعادة تشكيل لبنية السلطة مع تغيير في الخطاب دون تغيير في الجوهر؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل السلطة الحالية، بل أيضاً شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة، وقدرتها على استعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الحكم.