
من الرميلان إلى باب المندب… رحلة النفط الأطول لتصل أخيراً إلى فاتورة المواطن
يبدو أن البترول السوري قرر هذه المرة أن يعيش تجربة “سياحة بحرية فاخرة” قبل أن يتكرّم بالوصول إلى المواطن… رحلة تبدأ من الرميلان، لا كموارد وطنية يفترض أن تعزز الاقتصاد، بل كراكب VIP يفضّل المرور عبر العراق إلى أم قصر، ثم جولة بحرية على إيقاع الخليج العربي، فمضيق هرمز، ثم البحر العربي، فباب المندب، فالبحر الأحمر، وصولاً إلى قناة السويس، وأخيراً—إن سمح الوقت والتكاليف—يطل على المتوسط قبل أن يتفضل بالدخول إلى الموانئ السورية.
رحلة لا تنقصها سوى تذكرة سياحية ومرشد سياحي يشرح “جماليات الكلفة الإضافية”، التي طبعاً لا تظهر في الجغرافيا بقدر ما تظهر مباشرة على رفوف الأسواق.
وفي خضم هذا المشهد المدهش، تأتي قرارات رفع الأسعار كأنها نتيجة طبيعية لمسار بحري أشبه برواية مغامرات طويلة، لا علاقة لها لا بالسياسة ولا بالاقتصاد، بل فقط بقانون واحد ثابت: كلما طال الطريق… قصر جيب المواطن.
والأجمل من كل ذلك أن الخطاب الرسمي ما زال يتحدث بلغة “البركات والإنجازات”، وكأن المطلوب من الناس أن يصفقوا لارتفاع الأسعار بوصفه جزءاً من “تحسين الخدمة”، وأن يبتسموا كلما اقتربت الفاتورة من حدود الخيال.
أما المواطن، فهو كعادته—كما يُراد له دائماً—عليه أن يملك صبر الأنبياء، وأن يؤجل حكمه إلى إشعار آخر، وأن يعتبر كل موجة غلاء مجرد تفصيل صغير في “مسار التعافي”.
وفي النهاية، يبدو أن المفارقة الحقيقية ليست في سعر المشتقات النفطية، بل في قدرة الخطاب على تحويل رحلة بحرية مكلفة ومعقدة إلى قصة نجاح… بينما الواقع يصرّ على تقديم نفسه كفاتورة لا تنتهي.
قولوا آمين، على أمل أن تصلنا في يوم ما ليس فقط بركات الحكومات، بل أيضاً شيء من المنطق.