--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

من " الصدمة" إلى " الفراغ": كيف يُصنع الرأي العام بالشعارات لا بالمعرفة

Salah Kirata • ١‏/٦‏/٢٠٢٦

41184.jpg


من " الصدمة" إلى " الفراغ":
 كيف يُصنع الرأي العام بالشعارات لا بالمعرفة...

تصريح عباس النوري حول حزب البعث، بصيغته الصادمة والمختزِلة، لا ينبغي التعامل معه كحالة فردية معزولة، بل كعرضٍ لظاهرة أوسع في المجال الإعلامي العربي وهي :

" تحوّل الموقف السياسي إلى جملة انفعالية، وتحول الجملة الانفعالية إلى رأي عام محتمل" ...

نحن أمام زمن لم يعد فيه المطلوب هو الفهم، بل القدرة على إنتاج جملة قابلة للانتشار، جملة تُشبه الطلقات القصيرة: سريعة، حادة، ولا تحتاج إلى سياق كي تُستهلك. في هذا السياق، تصبح عبارة من نوع " زبالة" مهما كان موضوعها فعّالة إعلاميًا، لكنها فقيرة معرفيًا إلى حدٍّ كبير، لأنها لا تشرح، لا تفكك، ولا تُقارن، بل تُغلق الموضوع بالكامل، وهي لا تعدو أن تكون استعراضا قميئا لما يوصل بحرية الرأي والتعبير وغايته ركوب الموجة بشكل منحط ورخيص، لم تحترم هذا الرجل لا إنسانا ولا فنانا وقد آخذته لما التقينا في المؤتمر الحواري الذي عقد في صحارى برئاسة الأستاذ فاروق الشرع، حيث قال وأقصد ( النوري ) وانا نفسه في مشهد تمثيلي بأنه يريد تفكيك النظام، وهنا اذكر ما قاله يوما زياد الرحباني لما انتقدت راقصة الأغنيات الطويلة فكار رده التركي لنا الفن ونترك لك التعريص
عموما:
سأعود إلى الموضوع مفندا وداحضدا وبشكل منهجي لأقول ردا على تصريح ( النوري ) 
أولاً: 
من التفكير إلى "اللقطة"، كون التحول الأخطر في الإعلام المعاصر ليس في تعدد الآراء، بل في تسطيح بنية الرأي نفسه. لم يعد الرأي بناءً فكريًا، بل أصبح “لقطة” قابلة للتداول، وتصريح عباس النوري يدخل تمامًا في هذا النمط:
ليس مهمًا هنا بناء تحليل حول حزب البعث، أو حتى تقديم نقد جذري لتجربة تاريخية معقدة، بل المهم هو إنتاج عبارة قاطعة تُحدث أثرًا لحظيًا...

وهنا تظهر المفارقة:
كلما كانت العبارة أبسط وأقسى، زاد انتشارها، وكلما زاد انتشارها، توهم صاحبها أنه قال شيئًا عميقًا، بينما الحقيقة أن الانتشار ليس دليل عمق، بل قد يكون دليل تبسيط مخل...

ثانيًا: 
حين تتحول الشهرة إلى" بديل عن المنهج" فالشخصيات العامة – خاصة في الفن والإعلام – تمتلك قدرة على الوصول السريع إلى الجمهور، لكن هذه القدرة تتحول أحيانًا إلى فخ: 
فبدل أن تكون وسيلة لطرح الأسئلة، تصبح منصة لإطلاق الأحكام النهائية وفي حالة عباس النوري، لا نجد أثرًا لمنهج تحليلي يوازي حجم الحكم الصادر، لا سياق تاريخي، لا تفكيك لتجربة الدولة، لا مقارنة بين مسارات الأحزاب العقائدية في المنطقة، ولا حتى محاولة لفهم البنية التي أنتجت هذا النوع من التجارب السياسية...

فنحن مع ما قاله النوري أمام حكم نهائي بلا مسار معرفي وهذا تحديدًا ما يجعل الخطاب أقرب إلى الانفعال منه إلى الفكر...

ثالثًا: 
صناعة " الجرأة الزائفة" ففي الثقافة الإعلامية الراهنة، هناك خلط خطير بين شيئين:

- الجرأة الفكرية:
 وهي الدخول في مناطق معقدة، وتحمل كلفة التحليل...
- والجرأة اللفظية:
 وهي استخدام أقصى درجات التبسيط و الحدة لإنتاج صدمة...
لذا:
فإن تصريح من هذا النوع يُقدَّم عادة بوصفه “جرأة”، لكنه في الحقيقة قد يكون شكلاً من الاستسهال المعرفي المغلف بالشجاعة اللغوية، فقول الشيء الأكثر قسوة ليس دائمًا قول الشيء الأكثر دقة، وهو لا يعدو بحد ذاته استعراضا زائفا لما يعتقد أنه جرأة ومعرفة، في حين أن وصف تجربة سياسية تاريخية بهذه المفردات التي لا تمثل إلا من يقول بها ليس إلا شكل من أشكال لفت الإنتباه مع طلب الرضى وركوب الموجة ...

للعلم :
فإن الجرأة الحقيقية هي أن تقول:
هذا المشروع السياسي فشل في كذا، تحول في كذا، أنتج كذا من النتائج…
لا أن تختصره في حكم نهائي يُريح قائله من عبء التفصيل...

رابعًا: 
أخطر ما في الخطاب الصادم، في أن المشكلة ليست في وجود رأي قاسٍ أو نقد جذري، بل في أن يتحول القسوة إلى بديل عن التحليل، فحين يتحول الخطاب العام إلى سلسلة من الأحكام المطلقة، يحدث أمران خطيران:

-  تفكك الذاكرة السياسية، لأن التاريخ يُعاد كتابته بلغة المزاج لا بلغة الوقائع...
- تآكل القدرة على الفهم لأن الجمهور يُدفع تدريجيًا نحو استقبال "النتائج الجاهزة" بدل ممارسة التفكير...
وهكذا أصدقائي :
يصبح كل موضوع سياسي قابلًا للاختزال في جملة واحدة، وكل جملة قابلة للتحول إلى " حقيقة " إذا تكررت بما يكفي...

خامسًا:
 ما لا يُقال في العادة في التجارب السياسية الكبرى – ومنها حزب البعث – ليست ظواهر بسيطة يمكن تصنيفها أخلاقيًا بكلمة واحدة، لأنها نتاج تداخلات معقدة: 
استعمار، دولة ما بعد الاستقلال، صراع بارد، بنى اجتماعية، جيوش، وأجهزة دولة، يمكن نقدها بشدة، ويمكن تفكيكها جذريًا، ويمكن رفضها بالكامل سياسيًا، لكن ما لا يمكن فعله دون الوقوع في التبسيط هو إلغاء هذا كله لغويًا بكلمة واحدة...

وهنا تكمن نقطة النقد الأساسية:
ليس " الرفض" ، بل " الاختزال "...

اخيرا وباختصار:
أن تصريح عباس النوري لا يفتح نقاشًا حول حزب البعث بقدر ما يكشف نمطًا أوسع وهو :
" نمط تحويل السياسة إلى انطباع سريع، والتاريخ إلى جملة، والفكر إلى رد فعل"...
وفي عالم كهذا:
 لا تكون المشكلة في كثرة الآراء، بل في ندرة المنهج، لأن الرأي بلا منهج… مجرد صدى صوت، مهما بدا عاليًا.