
"من الثورة إلى الصفقة: كيف بقي رجال النظام؟"
إلى الاستاذ (بسام بربندي) قرأت مناسب اليك من قول يتضمن تساؤلات حول بقاء بعض الديبلوماسيين في أماكنهم وقد ذكراهم بالاسم مع خطأ طفيف هو أن اللواء عبد الفتاح قدسية كان رئيسا لشعبة المخابرات العسكرية لذا كتبت الرد بطريقة مقال وهو أدناه وقد عنونته:
( بين استحقاق العدالة ووقائع السياسة)...
ستجد فيه مالم يغب عنك حتما سعادة السفير ولك اقول:
أنا أقرأ هذه الرسالة التي نُسبت إلى بسام بربندي، وأتوقف أمامها لا بوصفها مجرد سردٍ لأسماء، بل بوصفها صرخة سياسية وأخلاقية تحمل سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدولةٍ تدّعي تمثيل “سورية الجديدة” أن تُبقي في مفاصلها أشخاصًا يُتهمون بالارتباط بمنظومة سابقة قامت على القمع والفساد؟
أنا لا أتعامل مع هذه الأسماء كقضية شخصية، بل كعنوانٍ لمعضلة أعمق: الصدام بين منطق الثورة ومنطق الدولة.
أنا أقول بوضوح:
مخطئٌ من يظن أن هيئة تحرير الشام ومن دار في فلكها من تنظيمات إسلامية ذات طبيعة جهادية — ومعظمها مصنّف على أنه إرهابي — قد وصلت إلى سدة الحكم بقوتها الذاتية، أو نتيجة اختلالٍ بسيط في ميزان القوى.
أنا أرى أن ما حدث كان نتيجة تحوّل دولي حاسم.
لقد وصل العالم، وتحديدًا الدول المتدخلة في الشأن السوري، إلى قناعة مفصلية: أن تكلفة بقاء عائلة الأسد أصبحت أعلى بكثير من تكلفة رحيلها. عند تلك اللحظة، فُتح الباب للتغيير — لا بفعل انتصارٍ عسكريٍ خالص، بل نتيجة قرار سياسي دولي معقّد.
أنا أؤكد أيضًا:
لم يكن أيٌّ ممن تبوأوا مواقع السلطة اليوم — من أعلى الهرم إلى أصغر موقع، حتى سايس الخيل الذي يدرّب ابن الرئيس — ليكون في مكانه الحالي لولا سلسلة طويلة من الحوارات، والمفاوضات، والمقايضات، والتفاهمات غير المعلنة.
هذه ليست تهمة، بل توصيف لواقع السياسة.
أنا أذهب أبعد من ذلك:
لم يُعرض على هؤلاء تولّي حكم سورية لأنهم البديل المثالي، بل لأنهم كانوا جزءًا من تسوية. لكن هذه التسوية لم تكن مجانية. لقد جاءت مشروطة، ومحمّلة بقيود واضحة.
وأنا أعتقد أن أحد أبرز هذه الشروط هو ما يطرحه بربندي في رسالته:
الإبقاء على جزء من البنية القديمة داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلك الدبلوماسي.
أنا أرى أن هذا الأمر لم يكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لنهمٍ واضح نحو السلطة — وهو نهمٌ لا يختلف كثيرًا عما شهدناه لدى جماعات إسلامية أخرى في تجارب سابقة. هذا النهم جعل القبول بالشروط الدولية والإقليمية أمرًا ممكنًا، بل ضروريًا للوصول إلى الحكم.
ومن بين هذه الشروط:
أن يبقى بعض الأشخاص — ممن أُثيرت حولهم شبهات أو ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق — في مواقعهم.
هنا تحديدًا تتفجر الأزمة.
أنا أفهم غضب الشارع.
وأفهم لماذا يُنظر إلى بقاء هذه الأسماء كاستفزاز، بل كخيانة لدماء السوريين.
لكنني في الوقت نفسه أقول:
إن ما نراه اليوم ليس بالضرورة تعبيرًا عن إرادة داخلية خالصة، بل انعكاس لتوازنات قسرية فُرضت على السلطة الجديدة.
أنا هنا لا أبرّر، لكنني أفسّر.
السؤال الحقيقي ليس:
-لماذا ما زال هؤلاء في مواقعهم؟!.
بل:
- هل تملك السلطة الحالية أصلًا القدرة على إزاحتهم دون أن تدفع ثمنًا سياسيًا دوليًا؟..
أنا أعتقد أن الجواب حتى الآن: لا.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى:
بين مطلب العدالة، وقيود الواقع السياسي.
لذا أختم بالقول:
إن استمرار هذا الوضع لن يكون مستدامًا، لأن أي سلطة لا تعيد تعريف نفسها أخلاقيًا، ولا تستجيب لحدٍّ أدنى من مطالب العدالة، ستفقد شرعيتها — مهما كانت الظروف التي أوصلتها إلى الحكم.
والتاريخ السوري لا يرحم.