
من اتفاق 1983 إلى مفاوضات 2026: تبدّل موازين لبنان في معادلة الإقليم.
تعود فكرة التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة من جديد، لكنها ليست حدثًا جديدًا في التاريخ اللبناني. فالمسار التفاوضي بين الطرفين سبق أن طُرح في مراحل سابقة، خصوصًا في بداية ثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت المنطقة تعيش واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
في تلك المرحلة، كانت بيروت خاضعة لتشابك معقّد من القوى: وجود عسكري إسرائيلي وصل إلى العاصمة، ووجود سوري متمركز منذ منتصف السبعينيات، إضافة إلى حضور فلسطيني ثقيل انتهى بخروج منظمة التحرير من لبنان. في هذا السياق، بدا لبعض الأطراف أن ميزان القوى يسمح بفتح مسار تسوية سياسية، تُوّج بمحاولة اتفاق عام 1983 الذي وُقّع تحت رعاية أميركية، لكنه سرعان ما انهار نتيجة رفض داخلي واسع وتبدّل في التحالفات الإقليمية، خاصة مع تدخل دمشق آنذاك وإعادة تشكيل موازين الداخل اللبناني.
ذلك الاتفاق لم يصمد لأنه بُني على توازن غير مستقر، ولم يعكس حقيقة القوى الفاعلة على الأرض، فانهارت ترتيباته سريعًا، ودخل لبنان بعدها مرحلة طويلة من الوصاية السورية وتنامي أدوار القوى المسلحة المحلية والإقليمية، وعلى رأسها "حزب الله" الذي تعزز حضوره تدريجيًا في سياق الصراع مع إسرائيل.
اليوم، يعود الحديث عن مفاوضات لبنانية–إسرائيلية، لكن في سياق مختلف جذريًا. فالمشهد الإقليمي بعد أحداث السنوات الأخيرة لم يعد كما كان. النفوذ الإيراني في المنطقة لم يعد على قوته السابقة، وحزب الله يواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية غير مسبوقة، فيما يشهد الداخل اللبناني إعادة تشكيل بطيئة لمؤسساته الرسمية ودور الدولة.
في المقابل، يبدو أن دمشق نفسها خرجت من موقعها التقليدي في إدارة الملف اللبناني، واتجهت نحو مقاربة أكثر براغماتية في علاقاتها الإقليمية، بينما تسعى القوى الدولية إلى إعادة ضبط خطوط التوتر في المنطقة ضمن ترتيبات أمنية أوسع، لا تقتصر على لبنان وحده، بل تمتد إلى ساحات متعددة مترابطة.
الأهم في المشهد الحالي أن القرار اللبناني لم يعد محصورًا بالكامل ضمن محور واحد كما كان في مراحل سابقة، بل بات أكثر تعددية وتعقيدًا، مع محاولة الدولة اللبنانية استعادة دورها المؤسسي في ملفات حساسة مثل الحدود والسلاح والعلاقة مع إسرائيل.
غير أن هذا المسار، رغم تقدمه، يبقى مرتبطًا بتوازنات إقليمية كبرى تتجاوز بيروت نفسها. فكما فشل اتفاق 1983 لأنه لم يُبنَ على أرضية سياسية صلبة، فإن نجاح أي تسوية اليوم سيعتمد على مدى استقرار المعادلات الإقليمية الجديدة، وعلى قدرة الأطراف الفاعلة على تحويل التهدئة المؤقتة إلى ترتيبات دائمة.
بين الماضي والحاضر، يتضح أن لبنان لا يتحرك بمعزل عن محيطه، وأن أي مفاوضات مع إسرائيل ليست حدثًا ثنائيًا صرفًا، بل جزء من شبكة مصالح وصراعات أوسع، تتغير فيها الأدوار باستمرار، وتُعاد فيها صياغة التوازنات من جديد، دون ضمانات بأن ما يُبنى اليوم سيصمد غدًا.