
من دمشق إلى مجموعة السبع: ماذا يعني أن تُدعى سوريا إلى الطاولة التي كانت تُدار من خارجها؟
في السياسة، ليست كل الدعوات بروتوكولًا، وبعض المقاعد لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُلقى عليها، بل بمعنى الجلوس إليها أصلًا.
إذا صحّ أن سوريا ستشارك للمرة الأولى في قمة مجموعة السبع في فرنسا، وأن الرئيس أحمد الشرع سيمثلها، فإن الحدث لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خبر دبلوماسي عابر أو صورة تذكارية لقائد إلى جانب قادة الدول الصناعية الكبرى. فالدعوة – إن ثبتت في صيغتها النهائية وما يرافقها من ترتيبات – تحمل دلالات أعمق تتعلق بموقع سوريا الجديد في الحسابات الدولية، أكثر مما تتعلق بسوريا وحدها.
مجموعة السبع ليست الأمم المتحدة، وليست منصة تمثيل عالمي. إنها النادي السياسي–الاقتصادي الأكثر تأثيرًا في الغرب الصناعي: الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، اليابان وكندا. وعندما تدعو دولةً ما، فهي لا تمنحها عضوية، لكنها تقول شيئًا سياسيًا: “هناك ما يستحق أن يُناقش معها، لا عنها”.
ولسنوات طويلة، كانت سوريا حاضرة في اجتماعات العالم كملف: ملف حرب، ملف لاجئين، ملف عقوبات، ملف أمن إقليمي، ملف نفوذ إيراني أو روسي أو تركي. نادرًا ما كانت تُعامل بوصفها طرفًا سياسيًا يُدعى إلى طاولة القرار.
إذا جاءت الدعوة اليوم، فهذا يعني أن شيئًا ما تغيّر.
لكن ما الذي تغيّر فعلًا؟
القراءة الأولى تقول إن العالم لا يكافئ سوريا، بل يعيد ترتيب أولوياته.
بعد سنوات من الاستنزاف في أوكرانيا، والتوتر مع الصين، واضطراب طرق التجارة والطاقة، بدأت العواصم الغربية تنظر إلى الشرق الأوسط بمنطق مختلف: الاستقرار لم يعد قيمة أخلاقية فقط، بل ضرورة اقتصادية وأمنية. وفي هذا السياق، لم تعد سوريا تُقرأ كأزمة يجب إدارتها إلى ما لا نهاية، بل كعقدة يجب إيجاد صيغة للتعامل معها.
هناك أيضًا إدراك متزايد أن سياسة العزل الطويلة لم تُنتج سوريا التي أرادها الغرب، وأن ترك بلد بحجم سوريا خارج النظام الاقتصادي والدبلوماسي يخلق فراغات تملؤها قوى أخرى.
ومن هنا قد تكون الدعوة رسالة مزدوجة:
إلى دمشق: الباب ليس مغلقًا.
وإلى الإقليم: هناك استعداد للتعامل مع الوقائع الجديدة.
لكن السؤال الأهم ليس لماذا دُعيت سوريا… بل ماذا ستفعل سوريا بهذه الدعوة؟
لأن التاريخ مليء بالدول التي حصلت على لحظات انفتاح ثم بددتها.
الحضور السوري – إن تم – لا ينبغي أن يُقرأ كانتصار رمزي أو إعلان نهاية العزلة؛ فالدبلوماسية الحديثة لا تعمل بمنطق المكافآت النهائية. إنها تفتح نوافذ اختبار.
هل تستطيع سوريا أن تقدم نفسها كشريك اقتصادي قابل للتعامل؟
هل تستطيع أن تطرح مشروع إعادة إعمار واضحًا؟
هل تستطيع أن تطلب تخفيف القيود لا باعتبارها استثناءً سياسيًا، بل باعتبارها حاجة تنموية؟
وهل تستطيع أن تنقل النقاش من “كيف نحتوي سوريا؟” إلى “كيف نستثمر في استقرارها؟”
أما بالنسبة للسوريين أنفسهم، فهنا تكمن المسألة الحقيقية.
المواطن السوري لا يحتاج صورة في قاعة قمة بقدر ما يحتاج أن تتحول السياسة إلى حياة يومية: عمل، استثمار، كهرباء، مصارف، تعليم، حركة تجارية، وفرصة لأن يعود البلد إلى الدورة الطبيعية للاقتصاد.
إذا فتحت الدعوة بابًا لتمويل، أو لتخفيف عزلة اقتصادية، أو لإعادة ربط سوريا بالمؤسسات الدولية، فسيكون أثرها ملموسًا.
أما إذا بقيت حدثًا إعلاميًا، فلن تغيّر الكثير.
في النهاية، الدول لا تُقاس بعدد المقاعد التي تُمنح لها، بل بما تفعله وهي جالسة عليها.
وقد تكون هذه – إذا تمت – أول مرة منذ عقود تُدعى فيها سوريا إلى طاولة الغرب لا باعتبارها مشكلة يجب شرحها، بل باعتبارها دولة يُراد سماع ما ستقوله.
وهذا وحده، بغض النظر عن المواقف، حدث يستحق القراءة.